أعز ما أملك

 الدقائق الخمس التي تقرر مصيرك و سمات شخصيتك قد تبدأ من القهوة

 

لم أنس هذا اليوم أبدا .. كُنت في سن الخامسة حين اصطحبني والدي الي " القهوة " ليلتقي بأحد الرفاق القدامي .. ولم تكن ابدا جلسات القهاوي من هواياته .. حين نظر الي "صبي القهوة" بعينٍ باردة متسائلا .. "العسل يشرب ايه ؟" شُلّ عقلي لثوانٍ حين اعتصر حتي يجد قائمة من المشروبات التي تصلح لطفل في الخامسة عشر .. فقوانين منزلنا تمنعني من المشروبات الغازية و المأكولات مسبقة التجهيز خارج المنزل و قائمة طويلة من الممنوعات ..

حتي تسرعت بالرد " شاي " و نظرت الي والدي حتي احتكم الي عينيه .. هل سيسمح لي بالشاي ؟ قاطع والدي حركة الصبي و سألني "من امتي وانت بتحب الشاي ؟" نظرت له قائلا " اي حاجة يا بابا" ولم يكن اعتاد والدي علي تلك البراءة مني التي تظهر في الاماكن العامة وهو يعلم ان طفله ذو الخمسة اعوام ما هو الا حشو من اللماضة و الشقاوة و اللئم .. وهذا لا يتناسب اطلاقا مع الشاي ..

أمر والدي الصبي بالانصراف حتي اقرر ما اريده و قال لي " فكر براحتك واطلب اللي انت بتحبه بس "

 

لم اكن اعلم ان في ذلك اليوم .. قد علمني ابيدرس من اهم الدروس في الحياة ان لم يكن الأهم علي الاطلاق .. القرار ..

فبعد ان تجاوز عُمري الثالثة و العشرين ربيعا، أظن ان اغلي ما أورثني ابي إياه في حياتي هو حرية اتخاذ القرارات .. حتي و ان كانت عكس ارادته او مخالفا لوجهة نظر امي – ولم اكن متفقا معها يوماً ابدا – مالم أخالف أخلاقي و تربيتي و ديني و قيّمي التي قضي والديا عقودا حتي زرعوها خلالي ..

 

طيلة ال 23 عاما قابلت العديد من رفاقي المُقربين و الغير مُقربين مسلوبي الإرادة .. فاقدي القرار و محدودي الخيارات .. وكنت دائم التعجب من هؤلاء المحرومين الذين اكتثّوا بالشوارب و نمت لِحاهم فوق صدورهم ولا يقدرون علي ان يُقرروا أمرهم بين أيديهم .. وكنت دائم الشفقة علي هؤلاء الذين قدّر لهم أهاليهم الأقدار و هيئوا لهم الظروف و تخطّوا عنهم العواقب و حملوا أحقابهم بدلا منهم بل و حملوهم حملا عن الأرض حتي إعوجّت أقدامهم في الطرق اللينة قبل الوَعِرة

 

و تسمع الكثير من القصص و الحكايات عن قرارت الأهل الديكتاتورية التي تهبط علي هؤلاء المساكين البؤساء .. منهم من غُصب عليه تعليمه و اختاروا عنه المدرسة و الكلية و المجال و الملابس و لون النظارة .. لابد و ان تدخل كلية الطب لتكمل مسيرة العائلة التي كان ينقصها طبيبا جديدا و يوضع اسمك بجوار اسم أخيك الذي " سمع الكلام " و التزم بالمسيرة في لوحة اعلانية تجمعكما.. ستحب الطب و ان لم تحبه فلا يهم فوالدك ايضا لم يحبه يوما و لكنها رغبة والده و هكذا .. كلية الهندسة كلية العباقرة .. ولابد ان تكون واحداً منهم .. لكن يا أبي انا اكره الرياضيات و أحب الرسم و أريد ان اصبح فناناً .. تُريد ؟ لا احد يريد هنا غيري .. انا ادفع انا اُعالج انا أُوكسي انا أُطعم .. يوما حين تفعل بدلاً مني ستُريد ولكن حتي هذا اليوم .. أنا فقط من يُريد و ستلتحق بكلية الهندسة ..

 

هناك أيضا من اختاروا عنه خطيبته و أثاث منزله و ألوان الجدران و الستائر ونوع الحذاء و لبس النوم وحتي الملابس الداخلية و أخص الخصوصيات، ماذا يحب و ماذا يكره، اختاروا هم كل شئ و تركوه فارغا فقط لينفذ .. فصار عقله ممر لقراراتهم التي تسري فيه و تقرر ماذا يفعل و اين يفعله و متي ومع من يفعله .. وأنا اري هذا فيهم كل يوم ولا ألومهم بل أشفِق عليهم و علي حياتهم المُملة و المرعبة ايضا علي حد سواء .. نعم ستصبح حياتهم مُرعبة حين يُسافر أولي القرارات الي العالم الآخر .. فمن ستختار بدلاً منهم ؟ علي من ستميل لتُوكِلَ له كل أمورك ليحكم فيها و يقشر البرتقال بدلا منك؟ ؛ طبعا بعد عمرٍطويل و لكن هذا لا يُنكر الحقيقة المطلقة في ان الأجيال تتلاحق و تُسلم و تنقل أسرار الحياة من جيلٍ الي جيل فماذا عن تلك التركة من الاسرار التي لم ترثها فلا تعلم عن الدنيا سوي ان " بابا هيتصرف " و " ماما قالتلي " !!

 

لابد من قانون صارم يسري علي هؤلاء الآباء و الأمهات الذين يرسمون حياوات أبناءهم كاللوحّ الفنية و أبناءهم أنفسهم ليسوا جزءاً منها! .. لابد أن يُعاقبوا علي جريمة "انتحال شخصية الأبناء" ، لابد ان يرفعوا أيديهم عن تلك العصاة التي ترعي الغنم في الحقيقة قبل ان ترعي شؤون أولادهم .. هؤلاء المتّهمون سلبوا إرادة أولادهم و تركوهم بلا شخصية و بلا قرار في عالمٍ يتوه فيه أصحاب القرارات فما بالك بمنزوعي القرار الذين سيتخبطون في هذا العالم كما تتخبط الخفافيش في الممرات الضيقة .. فهؤلاء المحرومين لم يعتادوا علي التفكير أصلا .. و ان رججّتهم سينفجروا بالكثير من القرارات و الأوامر و التعليمات و الارشادات المحشوّة علي مر السنين .. رجّ فيهم ذلك الهُلام أعلي الرقبة .. ذكّرهم بأنه يعمل و انه له ارادة و يفتقد الشغف و يفتقر القرار .. أمسك بأيديهم وادفعهم دفعا أمام آباءهم ليروا كيف حال هؤلاء المُهمّشين وكيف يغتالون أنفسهم كل مفترق طرق .. أين نذهب ؟

 

الإرادة و القرار و وجهة النظر هم وعاء الشخصية .. فأصحاب الشخصيات المهزوزة هم أطفال البارحة ؛ أولئك الذين فُرضت عليهم حقيبة المدرسة و الأصدقاء و الأقلام و تسريحة الشعر .. القرار هو فعل ملموس بالانتقاء من بين خَيارات عِدة .. وهو خاضع لنظرية الاحتمالات التي تقل و تقل و تقل مع الزمن حتي يصبح كل قرار صائب بالتمرس و بالتمرين و بعامل الزمن و الحكمة و المواقف التي كنت تُحاط بالكثير من البدائل .. و كلما تمرّنت علي الاختيارات و القرارات مُبكرا كلما نمت معك الخبرة و الحكمة .. ومن لم يتعلم كيف يقرر صار حبيس الشك، متردد، مهزوز، ضعيف الشخصية، تابع، إمّعة .. مسلوب الارادة منهوب الشغف مرهوب القادم .. فما الذي تفعلون بأبنائكم بحق السماء؟

 

اكتر حاجة ممكن أهلك يظلموك فيها هيا انهم يعيشوا حياتك .. يقرروا مكانك و يختاروا بدالك .. تشوف بعينيهم و تحكم من خلالهم، عمرك ما هتكون شخصية مستقلة و انت مش عارف تحدد انت بتحب ايه؟ .. هتدرس ايه ؟.. شغفك في ايه؟ بتخطط لمستقبلك ازاي؟ مفيش بنت هتحبك عشان انت تابع .. صدي صوت و رد فعل .. الراجل اللي مش صاحب قرار عمره ما هيكون صاحب كلمة ولا أمانة .. واذا كنت انت نفسك مش عارف انت عايز ايه .. مين اللي هتقبلك و ترضي تآمن علي مستقبلها و مستقبل عيالها معاك ؟ فكّر .. خد قرار .. ارمي نفسك في البحر عشان تتعلم العوم .. انت مُسيّر و ربنا هيحاسبك علي قراراتك لأن ربنا خلقك حُر .. حتي في السياسة انت عبارة عن صوت في صندوق .. عبارة عن قرار .. و حياتك كلها ما هي الا مجموعة من القرارات اللي بتحدفك من مكان للتاني فلو مكنتش مسيطر علي قراراتك و مِلك نفسك هتلاقي نفسك مُجبر علي حاجات انت مش عايزها و مش حاببها .. هتلاقي نفسك بتندب حظك علي وقت بيضيع في حاجات انت مختارتهاش .. محاربتش عشانها .. سِبت غيرك يختارلك و بقيت فأر تجارب في حياتك الخاصة .. ولغاية اللحظة اللي بكتب فيها الحرف د "ه" .. احنا فيها .. القطر مفاتكش و المثل الصيني بيقول " أفضل وقت لزراعة شجرة كان من عشرين سنة .. و ثاني افضل الأوقات هو الآن "

أوعي تكون فاكر انك لما تختار لابنك المدرسة و الكلية و تفرض عليه شخصيتك و اسلوبك و تخليه مجرد وسيلة لتحقيق طموحاتك و أحلامك تبقي كده بتبني مستقبله .. الفلوس اللي سبتهاله و الاملاك و العربية و الحاجات اللي حرمت نفسك منها عشان تسيبهاله مش هتنفعه لما يكون مسلوب الارادة وملوش راي مستقل و عايش علي وجهة نظرك و اسلوبك في الحياة انت هتحرمه من حياته لانك عايش فيها و مسيطر عليها و بتحكماتك انتجت شخصية لا يُعتمد عليها و كل ده بسببك .. ابنك مترباش علي الاختيار و مكنش قدامه فرصة بفكر و يقرر و يتعلم بنفسه .. انت عملت كل حاجة بالنيابة عنه فانت اللي اتعلمت اكتر و خبرتك في الحياة زادت .. و خليته يعيش زي المراية اللي بتقلدك و بتقلد تصرفاتك بس و مفيش مراية بتخرج عن طوع صاحبها غير لما تتكسر 

 

بعد تفكير عميق جدا .. قررت و بلغت بابا بقراري و قولتله انا مش عايز شاي يا بابا .. انا مش عايز حاجة من القهوة اصلا .. انا عايز اشرب عصير قصب من "المعصرة" اللي في وش القهوة .. بابا ابتسم وقال احنا عندنا كام عمر يعني ؟ احلي عصير قصب لعمر .. ؛ يمكن لو مكنش والدي وقّف صبي القهوة و لغي الشاي و قاللي فكر و قرر و اطلب .. يمكن مكنتش اتعلمت و تجرأت اني اخد قرار شُرب عصير القصب او اني اكتب بوست زي ده ..       

معلومات عن الكاتب
Student - Former Account Manager - Former Public Relations Adviser - Creative Writer - Blogger - Co founder at TEDxSmouha
.. عُمر الأسكندراني .. بدرس هندسة في جامعة الاسكندرية .. 23 سنة .. مُحب للتاريخ و علوم النفس و الاجتماع .. مُحب للرياضة و غير مُحب للرياضيات .. عَلماني ليبرالي يساري يميني اسلامي مُتشدد ..و من الناس اللي بتحب تفكر في الدين و بتتفكر في تطبيقه بيحب سورية و أهل سورية و أي حاجة من ريحة سورية متناقض جدا .. هادئ جدا .. عملي جدا جدا جدا