الرجل الشفاف

الرجل الشفاف

كثيرا ما يصفوني بالجنون، رغم إيماني المطلق بأني شخص عاقل بلغ من النضج مايكفي، و إيماني بتميزي و ثقتي الكاملة بقدرتي علي تحويل مجري الكون لصالحي، دائما ما كنت أراني علي قمة الجبال، أتربع عرش الحكم، و أراني مميزة عن غيري، ربما كلماتي تجعل البعض يتهمني بالغرور، ولن أحمل نفسي عِبْءُ إيجاد مبررات تخرجني من دائرة الإتهام تلك.

كان إحدهم يقول لي"معقدة" كان يرددها حين تهزمه كلماتي، وكنت أراها في عينه أحيانا أخري، وكانت صديقتي تقول لي"لما تبالغين؟ ...الحياه بسيطة"، وكانت أمي تقول"لقد أفسدت الكتب عقلك"عندما أتجنب مناقشتها في أمر الزواج، كانت تبرر هربي منها بأنه ربما يكون هناك شخصا أخفيه عنها ،تسألني صراحةً "أخبريني من يكون ؟"، وفي أحيان كثيرة تحاول جذبي للحديث عنه، فيزيد هروبي من التحدث معها، وأقول معللة "لست مضطرة للكذب، لايوجد أحد ... صدقي او لا تصدقي"فينتهي حديثنا بالمزيد من المشاجرات التي لم تنتهي إلي اليوم.

جميعنا شاهدنا فيلم"الباب المفتوح"جميعنا عشقنا شخصية "حسين"، ذلك الرجل الذي أرد "ليلي" حرة، مطمئنة القلب، رجلا جعل هدفه الأول إصلاح هشاشة ليلي ،ساعدها في التغلب علي عقدة الخوف بداخلها، لم يغضب ولم يثور حين علم بخطبتها، علي العكس تمني لها السعادة والحب الذي منحته لغيره، ذلك الرجل الذي لم يمل ولم ييأس من الكتابة لها، ذلك الرجل الذي أرد إمرأة قوية تشاركه ثورته، لم يحاول إخضاعها بل جعلها تؤمن بها ،جعلها تعشقها أولا ولذلك عشقته.

لقد أتممت عامي الثاني و العشرون دون أن أحب، دون أن تنتابني نوبات إشتياق، وعندما أقول ذلك لا يصدقني أحد، وكأني أخفي ذنب، او جريمة ما، أحيانا يوجه لي السؤال الشهير"ولما لا ؟!" عندما أعلن عن رفضي لإحدهم، ولا أستطيع الإجابة، في السابق كانت لدي الكثير من الإجابات، حتي تجمدت الكلمات بداخلي وصارت مبهمة وخفية لا صوت لها ولا صورة، وحين يسألني أحد الأصدقاء عن صفات فتي أحلامي السري، كنت أقول بأني أريد رجلا لايمحيني ... رجلا يعلم باني حرة وبأنه ليس إله، رجلا يحترم عقلي، رجلا لا يقول لي أفعلي ولا تفعلي" فكانت صديقتي تقول لي أنتي ساذجة مازلت تجهلين قانون الحب.

كانت تقول "لو لم يغار الرجل، لو لم يقول لي لا تتحدثي مع الرجال، لاترتدي هذا، لا تتأخري، والكثير من الـ (لا) ،صدقيني لن أشعر بحبه ورجولته"، كنت أهاجمها، أقول لها أنتِ إنسان مثله تماما ،لما تقبلين بهذا النوع من العبودية و الإمتلاك، كنت أتحدث معها دون جدوي، فتعلق علي حديثي ساخرة "أتركيني و شأني، أنا هكذا، أضيعي أنتي سنواتك في البحث عن الرجل الشفاف ".

ومن هنا جاءتني الفكرة، أعجبت كثيرا بهذا اللقب، رأيته كما لم تراه، و لأن لي فلسفتي الخاصة في الكلمات، أحببت هذا اللقب، أتخذته دليلاً ومرشداً، وعمدت أن أبحث عن الرجل الشفاف، رجل أستطيع رؤيتي في عيناه بوضوح، أستطيع أن التمس قلبه دون أن أجرح يدي، رجل لن يضطر لفرض المزيد من الأشياء لكي يثبت رجولته.

لن يقول لي (لا) وينتظر ان يسمع مني قول (نعم)، الرجل الشفاف ليس عديم الشخصية، بل رجلا ليس كغيره من الرجل، لن يخشي أفكاري، رجل صافٍ لن يحجب ما وراءَه ،يسمح بعبور الضوء به، لا يعتم من حوله، ولا يظلم ولا يضل قلب إهتدي به حبيباً، رجلا سيكون صديقا أحادثه حين يغالبني الوقت، ويفهم مقصدي عندما تخذلني كلماتي، يقرأني ويقرأ معي، وإذا تعثرت، يأخذ بيدي نحوه، رجل أؤمن به حين تكفر بي الحياه.

تقول غادة السمان. "أريد أن أرتدي حبك ، لا قيد حبك ،أريد أن أدخل في فضائك الشاسع، لا قفصك الذهبي، لا أريد أن تحبني حتي الموت، أحبني حتي الحياه، لا أريد أن تحبني إلي الابد ... أحبني الآن"