تأثير صينية البشاميل في مصير إنسان

تأثير صينية البشاميل في مصير إنسان

 

المصائب لا تأتي فُرادى

رُفِدَ من عمله، تركته خطيبته، لسع لسانه وهو يشرب شاي الصباح، كما أنّ طالعه لم يكن حسَن الحظ في أبراج جريدة اليوم، كل هذا كان صبيحة اليوم الذي عرف فيه نتيجة التحاليل وأنّه مُصاب بخلل بأُذُنِه الداخلية تجعله يفقد الوعي مرتين على الأقل يوميًا.

وشعر بأنّ الكون يلفظه، كيونانٍ بلا حوتٍ، على شاطئ جزيرة العبث الصغيرة، بلا طعام أو مأوى أو رائحة، ولمّا شعر بذلك قرّر أنْ يلفُظُه هو الآخر.

وتذكّر والدته يومًا ما وهي تُقطِّع البطاطس لإعداد صينية فراخ وهي تقول له:" الفقهي يسعد لو ماتله إتنين!"، ولمّا سألها أمس عن معنى المثل قالت أنّ القارئ يسعد لو مات إثنين في نفس اليوم وقَرَأَ في مأتمين!.

اليوم استيقظ متأخرًا نوعًا ما، ذاهبًا إلى مدير العمليات لإنهاء إجراءات التأمين والإستقالة، وفي طريق خروجه من باب الورشة سمع الحاج حمدي يُرَبِّت على كَتِفه قائِلًا:"أنت تحمد ربنا إنك خرجت من الورشة، فالورشة مكان تصفية حسابات، الفنِّيون دائماً يعملون ما بوسعهم والشركة تطالبهم بالمزيد وتتّهمهم بالتكاسل دائمًا، ونسوا أنّ الفنيين لهم طاقة، فهم بشر في الأول والآخر!"، وتركه وشدّ ما أثار حنقه نبرة النفاق التي كان يتكلم بها، وتأثّر صدره برذاذ رش السمكري بجوار بناية الشركة فلم يُلقي التحية برغم ما أحس بأنّ رائحة الرش حلوة في أنفه!.

وفي طريق العودة سمع السائق يتحدث مع أحدهم عن الشياطين والجان، ولفت نظره أنّ الحكومة بدأت تلوين الرصيف بالأسود والأصفر بدلًا من الأسود مع الأبيض الكئيب وقال أنّ مكتب الحي به فنان أو أن البوية الصفراء أرخص وتخيّل لو أنه فتح مشروع (سُقْع) وتعاقد مع الحكومة لبيع كميات من البوية الصفراء لَبَاعَ آلاف الجالونات وربح ملايين الجنيهات.

ولطالما كانت تتناوبه أحلام اليقظة ولطالما كان يُسكِتها للأبد، فأخرس أفكاره عن مشروع القرن، وفكَّر كم هو جائعًا الآن ولكنّه عليه أن يعيش ساعاته المعدودة في الحياة زاهدًا بلا أكل أو أمل، وفيما هو ينزل من الحافلة سمع السائق انتقل بكلامه عن الجان إلى أنّ أفعال الحكومة تقسم الظهر وأن أولاده لم يأكلوا اللحمة منذ أسابيع والبعض تحسبن والبعض استغفر الله مُمَصْمِصًا شفتاه؟

ودخل غرفته وعزم أن يُفرِّغ في يده كل أقراص المُسكِّن الذي سيرحل بهم إلى المجهول، وكان ألم الجوع يعتصر قاع معدته وفكّر هل يمكنه أن يأكل بعد الموت؟! وتذكّر أنّ الفراعنة يضعون مع الميت طعام ليأكل في البعث، إتجه بفكره أنّ الفراعنة ليسوا أغبياء.

ونظر لأعلى متأملًا لو فتح كوة في الحائط لتتعامد أشعة الشمس مرّة كلّ سنة على وسادته، ولكنّه يعرف أنّه لا يملك الوقت أو المال ناهيك عن الحسابات المُعقّدة وأحبّ فكرة الأكل أكثر كونها لا يلزمها مجهودًا ذهنيًا كما تتعامد الشمس على الوسادة.

"تعالى، أنا عملت لك مكرونة البشاميل اللّي بتحبها"،

صدر صوت من حنجرة أُمّه العجوز عبر حبال صوتية مُنهَكة، وكان أمام خيارين، الرحيل جائعًا أو أن يُخرِس صوت معدته ويُفكِّر في الرحيل بعدها، واختار الثاني، وفي طريقه للبشاميل، قال ليتنا نتجرّع البشاميل كمآسي الحياة اليومية، نتجرعها معنويًا كما الحزن فنشبع.

وأثناء أكله للبشاميل، دخلت أُمُّه لتنظيف حجرتة ولملمة ملابِسُه المُبعثَرة في كل جانب، ووجدت شريط من المُسكِّن منتهي الصلاحية أخَذَتْهُ للقمامة، وبعدما أكل شعر بالنعاس يغلُبه، وفكّر أنه سينام للأبد، وصلى أن لا يموت مُتألّمًا، لأنّه يود الانتحار بلا ألم، ولمّا لم يجد شريط أقراص المُسكِّن، صعد إلى سريره لينام مؤجلًا الرحيل ليوم آخر لا يكون فيه بشاميل، وتخيّل كوة في السقف تتعامد فيه أشعة الشمس على وجهه، وقال لو أنّ الحياة بعد الموت نومًا أبديًا سيكون هو النعيم بذاته.

معلومات عن الكاتب
Electrical Engineer
محباً للقراءة وللكتابة، متشائماً إلى حد كبير، أتذوق الجمال وإن قل تواجده.