سكيزوفرينيا - عليك واحد .. الكِنز "مش" في الرحلة

أنا مش من مُحبي الروايات الدرامية أو التراجيدية بشكل عام .. يمكن الروايات التاريخية أو التوثيقية أو حتى الروايات الخيالية و الفلسفية هما أكتر حاجة بتشدني ..

يمكن من أشهر الروايات اللي قريتها كانت عن شاب عاش حياته كلهّا يدوّر على كنز و بذل من وقته و جهده و اهتمامه و حياته كتير جدًا و في الآخر .. اكتشف إن الكِنز كان في الرحلة .. الكلام ده مش منطقي و مش واقعي ..

خلينا نتفق إنّ الحياة و الدنيا بشكل عام مادية جدًا .. فيه جزء صغير روحاني عشان يعمل اتّزان و يضيف لبشريتنا صفة الإنسانية .. بس بشكل عام هيا في الأصل مادية .. يمكن عبارات زي " من جدّ وجد " بتشدّني أكتر من " الكنز كان في الرحلة " بس الحقيقة إنّ حتّى " من جدّ وجد " مش العبارة المُثلى عشان توضّح آلية الحياة أو الفلسفة اللي بتدير الحياة .. 

بمعني .. مينفعش أبقى داخل امتحان معين .. و مذاكر كويس جدًا و مُستعد و عملت كل اللي عليا و أروح أحل الإمتحان و بكل سهولة أجيب 10 من 10 .. و أبقى مقياس لـ " من جدّ وجدّ " ..

و لا منطقي إنّي أدخل نفس الإمتحان بنفس الظروف و ألاقي نفسي جايب 0 من 10 و الأستاذ بيقوللي مش مهم .. كفاية شرف المحاولة و إنت عملت اللي عليك و ده كفاية .. وكده يبقي مقياس لـ " الكنز كان في الرحلة " ..

المنطقي جدًا إنّك تدخل الإمتحان تجيب 9.5 من 10 أو 9 أو حتّى 8.5 .. كل ده بيخليك لسّه في خانة الممتاز .. و في خانة إنّ المجهود المبذول اتّرجم لنتيجة .. قد لا تكون النتيجة المُثلى و لكنّها قطعًا نتيجة منطقية ..

إنّما الـ 10 من 10 دي تاخدها في الجنة ان شاء الله عند الذي لا يضر مع اسمه شيئٌ في الأرض و لا في السماء .. عند اللي بيقول ..

((وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ ))


كده أقدر أقول إنّ من المنطقي و الواقعي إنّ الناس اللي بتجيب 10 من 10 ناس مش واقعيين كفاية إنّهم يسعوا في كل امتحان إنّهم يجيبوا 10 من 10 و اليوم اللي ميحصلش فيه ده يكتئبوا .. الناس دي مش على فهم تام بفلسفة الدنيا ..

أحيانًا بيكون في مشكلة ما في الحياة .. محتاج تطلع منها بأقل الخسائر .. رغم انك ملكش ذنب فيها .. بس لازم تطلع بأقل الخسائر ...

المشكلة دي ممكن تكون اختبار في الدنيا .. و على قد اجتهادك و أخذك بالأسباب هتخرج منها بس لازم النص درجة أو الدرجة اللي طايرين منك دول يبقوا جرح جواك .. أو بشكل أصح " ندبة " تفكّرك بالمشكلة و تفكّرك بالحل و تفكّرك بالدرجة اللّي طارت و اللّي لو اتكرر نفس الإمتحان مش هتقع تاني فيها ..

في قاعدتين في الحياة بيترجموا كل الكلام ده ..

  • الحياة ليست عادلة
  • لا يُكلف الله نفسًا إلّا وسعها

الحياة ليست عادلة لأن الارض تُدار بواسطة البشر فطبيعي يبقى موازين العدل فيها " بعافية " شوية .. المواطنة اللي في السويد مش موجودة في الصومال .. و الحرب اللي في سوريا مش مأثرة على شعب سويسرا مثلًا .. و كل ده بسبب إنّ في إنسان هنا لعب بمقادير العدل و قلب الميزان و في حد هناك تمسّك بالقوانين الإلهية و استمدّ منها قوانين أرضية .. و حتّى تلك القوانين لا تصل للعدل المُطلق ..

و بالتالي مش من حقك تسأل أسئلة زي :

  • انا ليه فقير و جاري غني
  • ليه عندي مرض معين و غيري مُعافى و سليم
  • ليه أنا عايش في قاع الدنيا و غيري يكاد يلامس النجوم
  • ليه أنا تعيس و غيري سعيد – لو اعتبرنا إنّ السعادة مش اختيار –
  • ليه أنا بطلع من مشكلة لمشكلة و غيري مفيش في حياته أي مشاكل ؟

 

و لغاية آخر سؤال .. أحب أقولك .. استنّى .. فكّر شوية في إجابة السؤال ده ..

 

أصحاب الرسالة في الكون ده سواء أنبياء أو أولياء صالحين أو حتّى بشر عاديين مكنتش حياتهم سهلة أبدًا .. و في المقابل خلّدهم التاريخ تكريمًا ليهم .. و لو كانوا ناس مش معروفة فـ كفاية انّهم خُلِدوا في قلوب كل اللي اتعامل معاهم .. فلمّا ربنا قدّرلك إنّ حياتك متكونش سهلة أبدًا كده هو حطك في نفس طريق الأنبياء و الصالحين و أصحاب الرسائل في الكون .. و ده يمكن الهدف الأسمى من خلقك إنّك مش هتعيش و تموت زيك زي كتير .. لأ .. انت هتعيش و تسيب بصمة في الكون ده قبل ما تموت ..

 

البصمة دي مُتمثلة في كل مشكلة كنت فيها و طلعت منها واقف على رجليك .. كل مرض كنت مُعتقد إنّه هينهي عليك و قومت منه بمناعة أقوى .. كُل شخص كنت معتقد إنّك مش هتقدر تعيش بدونه مهما كان غالي عليك، و تكتشف إنّك لسّه عايش بعده .. البصمة دي في حب الناس ليك و اللّي بالمناسبة ليه تمن .. و البصمة دي في صراعك مع الحياة لمّا كل المُعطيات بتقول إنّك مش هتقدر و في الآخر تقدر .. و لما تعتقد للحظة إنّ ده أخرك و أقصى مجهود ممكن تبذله و تيجي " لا يُكلف الله نفسًا إلّا وسعها " فتقول لا لسّه بدري .. وِسعي مش لغاية هنا .. لسه في وِسعي حاجات كتير ..

و بالمناسبة وِسعك ده مش شرط يكون 10 من 10

ولا هييجي في الآخر و تكتشف إنّ وِسعك ده كان في الرحلة ..

معلومات عن الكاتب
Student - Former Account Manager - Former Public Relations Adviser - Creative Writer - Blogger - Co founder at TEDxSmouha
.. عُمر الأسكندراني .. بدرس هندسة في جامعة الاسكندرية .. 23 سنة .. مُحب للتاريخ و علوم النفس و الاجتماع .. مُحب للرياضة و غير مُحب للرياضيات .. عَلماني ليبرالي يساري يميني اسلامي مُتشدد ..و من الناس اللي بتحب تفكر في الدين و بتتفكر في تطبيقه بيحب سورية و أهل سورية و أي حاجة من ريحة سورية متناقض جدا .. هادئ جدا .. عملي جدا جدا جدا