رسائل البحر - الرسالة الأخيرة

رسائل البحر  - الرسالة الأخيرة

 

رسائل البحر (الرسالة الأخيرة)

عزيزي سعيد/ *

أكتب إليك لأني تعبت عبثًا في البحث عن الجمال وأشتاق للرحيل، لا يوجد جمال نابع من الداخل أبدًا يستطيع أن يُغطّي كل قُبحٍ خارجي، بالتأكيد لن تأسرك إبتسامة طفل ينبش عن بقايا موزة بأكوام القمامة، أو جرافيتي ثوري على حائط  دمّره الحرب والخراب.

صدقني أنا إنسان بسيط، لا يود سوى جلسة هادئة بجانب المذياع وأغوص مع حيرة عبد الوهاب وهو يغني: " عارف ليه؟ .. من غير ليه!!"، ومن ثَمَّ لا أعود أسأل السؤال مرة أخرى أو أن أمتطي صفحات كتاب صادق كحصانٍ أبيض ثائرًا على كل أشكال القبح أمام بحرٍ لا ينتهي ورائحة يُود عمرها آلاف السنين.

أنا إنسان بسيط، لا يتعشم أكثر من حياة مبهجة، أو على الأقل خالية من الأسى والحزن، أتعشم كلامًا حلوًا، الناس تُعِد من تلفّظ بالسباب وتعامل بالفهلوة هو أكثر حِنْكة، يُعِدّون الإحتيال ذكاء، الناس ترى في كل بشع ما هو جدير بالإحترام وتنفُر من ألوان الطيف، تنزعج من موسيقى الكمان، وتستغفر الله من شعر فتاة يعكس صفاء أشعة الشمس الذهبية، أو عينين حالمتين عذبتين تهيم فيهم للأبد. أنا إنسان بسيط يا سعيد، ولكن ما أدركت أنّي بسيط حتّى فقدت بساطتي، الرضيع عندما يخشى الطبيب لأنّه يعرف أنّه سيحقنه بعقاره المؤلم لم يعد بعد رضيعًا!، الطفلة عندما تخشى لمسة من غريب لأنّها لا تعرف مغزاها لم تعد طفلة، هكذا أنا لم أعد بسيطًا.

سعيد، إني أرحل لأنّي أشتاق لضوء جديد، ضوء ينكسر فلا يتشتت لسباعية ألوان الطيف، فلقد سئمت الضوء هنا برائحته الرتيبة التي لا تبعث على أمل أو حياة، لا أسمع لحنًا أو موسيقى إلّا وسمعته حزينًا، لم تعد الحياة كما كانت، كما أنّ الضوء لم يعد كما كان، سأرحل لأنّي لم أستطع أن أتحمّل نفاق الضوء ولأنّي أخشى الظلام، سأرحل لأنّ في هذا المعنى الوحيد للحرية التي لم أعشها أبدًا، لأنّي سأمت كل الألاعيب الدماغية ودوّامات أخذني لها عقلي الإقليدي، لأنّي لا أود أن أعيش بين هؤلاء في هذا الزمن الأسود. لم يعد القلب ينبض بنفس الوتيرة التي عهدتها من قبل، هناك شك وحيرة وارتباك وسأم وأمور أخرى كتلك!، حتّى أنّني في كل لحظة أوشك على الاختناق وأنتظر وقوفه.

أَتَعرف ما ينقصني؟! ما ينقصني هو كل ما أنا لست عليه، وما أنا لست عليه كثير ... كثير جدًا إن شئت الحقيقة! أنا لست على الاطمئنان ولا على الراحة ولا على الحنين ولا على الحب ولا على إدراك المعنى ولا على أي شئ يوضع كبنزين في مضخة استمرار الحياة الرتيبة. لا أعرف السبب كما لا أعرفني الآن. إن شئت الدقة، لا أعلم ما الدافع لاستمرار الحياة، أود لو تنتهي الحياة الآن، فأنا لما أعد بهذا الشغف الذي كنت به من قبل لأستمر في هذه الحياة. كنت أظن أنّ البحث عن معنى هو كفيل بأن تبقى الحياة شيقة، ليس الإستمرار فحسب بل والتمتع بها جدًا، أن تعمل ما أنت شغوفًا به، هوايتك، حبك، هو كفيل بأن تجد كل يوم الدافع لرمي كرة أخرى في بولينج الحياة العبثية والإنتظار لتكتشف بكم زجاجة بلاستيكية عديمة القيمة ستظفر، لكن ما لم أكن أعرفه فعلًا، هو صعوبة وجود هذه المعنى الذي من الممكن أن تعيش لأجله وربّما استحالة وجوده.

أنا مشيت في شارع سرمدي لا نهائي ودُسْتُ أوراق الخريف فتحطمت كالهشيم، ورأيت أشجار الليمون تصعد للسماء وأفرعها تحتضني بقوة فظننتها أحبتني وفي عمق العناق كسرت عظامي، وفي إثر عاصفة شعواء سحبني شجر الليمون للسماء وقُلتُ إيماني أوصلني للحظة المرجوة مذ زمن بعيد، ولكني تُرِكتُ وسط الضباب الأسود الكثيف كضباب الشبّورة الصباحية إلّا أنّه كان أسودًا، لم أرى سوى اللوحات التي طالما أعجبتني وألوانها الزيتية تذوب وتحول للسواد، ورأيت ألوانها كأمطار زيت أسود تغطي أشجار الليمون وأرض الشارع، ورأيت كل من قابلتهم وأحببتهم، ولما استعذت بهم باستغاثة، كنت أصرخ فخرج الصوت بلا صوت!، مد أحدهم لي يده وأمسكت معصمي حتى أدمي وغناء أم كلثوم يلوح في الأفق البعيد سامعًا صداه:" آه من قيدك أدمى معصمي" وأنسكب اللون الأحمر واختلط بالأسود فصار العالم مظلمًا وكنت أقف في الظلام وحدي، فقط، اختفت الألوان والأصوات والموسيقى والناس و أوراق الأشجار ولاحت ثمة دمعة لطفل في مخيلتي واختفت فجأة وتركتني في الظلام، أقف وحيدًا.

أفهمتني؟! .. لا جمال ينبع من أصوات السباب والنكات البذيئة، أو نظرات الخبث والدهاء، لا جمال ينبع من رائحة دماء حيوانات في الشارع يأكل الناس لحمها في نهم، لا جمال في رائحة القمامة، لا جمال في دنيايا، وسأرحل يا سعيد، على أجد الجمال الوحيد في قرار أتحكم فيه كليًا بكامل حريتي.

الجمال يا سعيد، ثمة معنى نعيش لأجله لا نجده، كنت صغيرًا وطلبت من أمي أن ألعب بنك الحظ مع أصدقائي في مدخل بيتنا، ونزلنا وجلسنا على حجر كان أبيض، ورمينا النرد وكان معي مال البنك كله، ثم ثارت الرياح وأخذت كل ما جمعته، عندها علمت بأن الحظ لن يكون حليفى ولو أمتلكت بنك الحظ كله، هناك ثمة قوى أكبر تتحكم بي وبالنرد وبالحظ، أنا أعرف شعور عروس الماريونت تمامًا وألوان الحائط وأوراق الشجر الساقطة وحبر الكاتب، أنا أكتب لأن كل طاقة سلبية بداخلي هو حبر أسوداً، أنا أعرف شعور الورق الأبيض جيدًا، لأني أكتب عليه ما كتب عليّ، ليس هناك من هو أناني أكثر من الكاتب والشاعر و المؤلف، لأنه في سبيل راحته، يجرح الورق والقارئ، أنا آسف لجرحك سعيد، ولكني راحل الآن، ولكن لأجلي، استمتع برائحة يُود البحر، وبأي كمان تسمعه، استمتع بجمال عشت أبحث عنه ولم أجده.

وداعًا سعيد

----------------------------------------------

سعيد شخص وهمي عبثي يميل الكاتب أن يراسله خطاباته

معلومات عن الكاتب
Electrical Engineer
محباً للقراءة وللكتابة، متشائماً إلى حد كبير، أتذوق الجمال وإن قل تواجده.