بائع التفاؤل

بائع التفاؤل

مصدر الصور : Justnerd.it

يُحكى أنّ دكّان كان لبيع الحلوى وليست كأي حلوى، كانت حلوى التفاؤل، من يأكلها يتفائل للحال ويعيش حياته بإصرار و طموح وعزيمة ليس لهم مثيل، فكانت تُغيِّر الفِكْر والقلب معًا لفترة مُعيّنة تختلف من كل نوع لآخر.

وكانت تختلف درجة التفاؤل والطموح باختلاف درجة السكّريات في الحلوى، فحلوى البونبون لم تكن لتعطي تفاؤل بدرجة الشيكولاتة وهكذا.

لكن الأكثر عجبًا هو بائع التفاؤل، العم الطيب بابتسامته الساحرة، وتجاعيده التي لم تزيده إلّا حنانًا وطيبة، وظهره المنحني، ويُقال أنّ ظهره انحنى من كثرة حمله لهموم الناس، لطالما صدّقتُ القصة ولكني لم أصدّق أنّ حُمول الناس المجازية تزيده تقَّوسًا في ظهره بالطريقة الملحوظة تلك.

وكان متجر التفاؤل يقبع في زقاق من أزقِّة القرية، بأرضية غير ممهدة ولكن كل من تناول حلواه، صعد بطموحه إلى الحد الذي اكتفى صاحبه فيه بعدم تناول الحلوى بحجّة مرض السكري، وسألت العم الطيب ذات مرة .. "لما تبيع الحلوى برخص التراب؟!، أنت تبيع شيئًا أنت وحدك الذي تبيعه؟!" .. ولكنّه ابتسم وأعطاني من برطمان البونبون دون أن يأخذ ملّيمًا، وقال بتنهد: "لطالما فكّرت ان أبيعها بالمجان!".

وكان هناك من كانوا يخافوا الدكان والحلوى والعم الطيب، ليس بحجة مرض السكري فقط، بل اتهموه بالشعوذة والسحر وأنّه يأمر الجان بتغيير القدر، وأسمَوهُ البعض بالشيطان اللئيم، لأن طيبته لم تكن تظهر ذلك أبدًا.

عاش الرجل حياته كلها يكتفي ببيع الحلوى، ببيع التفاؤل للناس، كان فنانًا بحق ويؤكد ذلك رسوماته الجميلة بألوانها الزاهية على عتبة محله الفقير،وأغاني أم كلثوم وعبد الوهاب وسعد عبد الوهاب التي كانت تخرج من مذياعه المتهالك.
هو اكتفى بعائد الحلوى الفقير في سبيل بيع التفاؤل للناس، أوتدري !، لم يكفيه عائده من شراء ملابس أو حذاء فقط قوت يومه بالكاد.

بعد سنوات ولمّا أفتقده الشيب، طمع فتوة الحي في محلات الغلابة فأُخذَت محلات كثيرة بالبلطجة من ضمنها دُكّان العم الطيب.
كانت أخر مرة لظهوره في الشارع، أخرجه رجال الفتوة بالقوة خارج المتجر وبعثروا برطمانات الحلوى في الشارع بكل همجية وأنزلوا بالمحل تكسيرًا وتعالت صيحات أن الشر بُتِرَ اليوم من الشارع وأنّ الحكومة كانت تخشى سفلتة الشارع بسبب ما شيع من فأل غير طيب سببه هذا الدكان، وما وجدوا منه إلّا أن افترش الأرض محاولًا تجميع الحلوى وهو يصرخ الحلوى، الحلوى، وتجمهر الناس وداسوا الحلوى غيظًا ومنهم من رماه بالحلوى مستهزئين به قائلين .. خذ حلواك وتفائل بها، وعندما بكى ولأول مرة يروه يبكي، قالوا له .. خذ جرعة سكريات وسترحمك من البكاء، وأخرون قالوا أنّه يبكي لأنهم يدوسون الشيطان القابع في الحلوى .. من هؤلاء الناس بل معظمهم من تنعّموا بنعيمٍ كان نتيجة حلواه.

وإلى اليوم نجلس على المقهى البلدي على أول الشارع في انتظار الحكومة تسفلت الزقاق وتبدأ في فتح أفران عيش التموين، فكان معروف أنّهم خائفين من دخول الشارع بسبب شيطان الحلوى.

يقال أن هذه قصة الحلوى، وأنّ هذه قصة الدكان والعم الطيب.

وآخر ما سمعته، أنه بينما كان على سرير الشيخوخة لم يرى أحدًا ممن باع لهم تفاؤله و طموحه و عزيمته، شعر في نهاية حياته بأنّه أعطى الناس من تفاؤله هو ليُترك وحيدًا طيلة أيامه الأخيرة، فكانت قصته رغم الكآبة من الفكاهة شيئًا، فأنت تتحدث عن خراب دكان التفاؤل، عن بائع التفاؤل المُكتئب، عن سواد الأبيض وظلام النور، ثمة متناقضات لاتزيد القصة إلّا تعقيدًا أو سخرية !، فكثيرون كانوا يتندّرون على القهوة قائلين .. بائع التفاؤل أكتئب، ويرد الأخر ويقول .. لا يحتاج لعلاج بل ربما يحتاج لحلواه .. و من ثم ضحكة عالية تعم المكان !

يحكى أن بائع الحلوى، مات مكتئبًا، وجدوه ميتًا بعد أيام ممسكًا بيده قطعة حلوى و ورقة كتبت بيد مرتعشة بها الكلمات الآتية:

"الحلوى لا تُصيب بالسُكري"

معلومات عن الكاتب
Electrical Engineer
محباً للقراءة وللكتابة، متشائماً إلى حد كبير، أتذوق الجمال وإن قل تواجده.