رسائل على أوراق الشجر

 رسائل على أوراق الشجر

 

على حافة العالم، وجدت مدينة لم يعلم بأمرها أحد، يولد أفرادها بقوى مختلفة عن بعضهم البعض، و لهذا لم يكن للطفل إسم حتى تظهر موهبته فتحدّد ما سيكون، و ما المهنة التي سيمارسها في مجتمعه أيضا. و هناك من لا يظهر له ما يميّزه فيُطلَق عليه " مُنحلّ "  و بالنسبة لبطل القصة، فقد تم تسميته  " مؤمن " عند بلوغه تسع أعوام، ثم لاحقًا عندما بلغ الحادية و العشرون ، صار عرّافًا.

استطاع مؤمن أن يُقدِّس الصُدَف، و رُبّما المواقف العشوائية، يُفسّرها، كرسائل موجهة له فقط، تُمكّنه من قراءة المستقبل الذي سيحدث خلال أعوام أو دقائق قادمة، أحَبّ الحيوانات لتشابه تنوعها مع شخصيات البشر، و النباتات التي آمن بأنّها تسمعه ثم ترسل كلماته إلى صديقاتها، تتضرع للآلهة ليلًا و تَخيّل وجوههم في السماء تبتسم له، لكنّ أخطر ما آمن به كان البشر.

إقتضى عمله أن يسمع ما يرويه الناس عن خططهم المستقبلية؛ فكل التفاصيل الصغيرة التي حدثت منذ شرعوا بتنفيذها، تتنبأ بنجاح أو فشل نواياهم. "هى علامات ترشدنا إلى الطريق" تكلّم العرّاف. و على هذا النهج سار فى عمله، وفي حياته أيضًا؛ فلمّا بلغ الثلاثون، تزوّج بمن آمن أنّها ستكون جنّته على الأرض، و رفيقته في السماء، نوره في أحلك بؤر عقله، و نهرٌ يروي ظمؤه القديم، و بالتأكيد بيت جسده التي لطالما حلم أن يكون داخله.

زواجه كصيف في القطب الشمالي ، فكل ما يشعر به أصبح دربًا جديداً من الإيمان، و صلاته حديثهم على مضجعهم ليلًا، غدت جنّته الصغيرة فى لمسات يديها الصغيرة، أو رائحتها التي تغمره، وطعمها الذي لا يبرح فمه، حتّى أصبح يجدها على جسده، و زادت حياته بهجة بمولوده الأول، و مثل الجميع، يحدث أن يقتل كثير من المواليد آبائهم، طُفَيل ليس طفل؛ يتغذى على أوجاع غيره، يقتل الكثير ليعيش، و يفعل ذلك بمنتهى الحب. آثرت الزوجة أن تبتعد عن مؤمن ذراعًا فقط لتتقرب من طفلها باعًا؛ فحرّمت إقترابه كحكم الظالم على جسدها و قلبه. لم يفهم كيف يؤمن بمن يقذفه بعيدًا بعد أول صلاة له، و كيف يصبح أعظم السفاحين من مايزال في المهد. لم يعد مؤمن يرى سببًا لتواجده في منفاه الجديد، فقرّر الرحيل تاركّا دينه الذي خرج عنه لمّا خَطّت قدمه خارج بيته؛ فصار كافرًا بالحب، و بالبشر.

إتجه مؤمن شرقًا، تاركًا مدينته متخذًا من الغابات مسكنًا، و من الحيوانات رفاقًا، فصادق قطة رقيقة يعطيها نصف طعامه، و يدفّيء جسدها الصغير ليلًا، حتّى وصل إلى الأرض اللعوب؛ و يُقال أنّها أرض تكثر بها المداخل التي تؤدي إلى لاشيء، و الأصوات التي تتسلّل إلى عقلك فتفقدك صوابك، و تتجسّد الأوهام في كل ما تتمنّاه يومًا، و أن من يدخلها لا يعود أبدًا. هناك هربت القطة بعدما شعرت بما ينتظرها، ممّا أحزن مؤمن كثيرًا، حتّى فقد إيمانه بالصداقة.

دخل مؤمن بناظريه أولًا عساه يهتدي إلى طريق العبور، و لمّا لم يُسعِفانِه دَلَفَ بكُلِّه ليكتشف كُلّ الطرق ويجد أحسنها، و هناك رأى شجرة تفاح عملاقة،  تبسط أذرعها في فخرٍ مالكةً لأرض، و رائحة ثمارها لضيافة الزوار، لربما أدرك مؤمن تلك الحقيقة عندما رأى جذورها الممتدة داخل كل السُبل، و إرتفاعها الذي يفوق أقرانها من الشجر. إقترب أكثر فأخد ثمرة من موضع أقدامها ليسكت جوعه.

إنتهى من التفاحة الأولى سريعًا فعلق بعضًا منها في مجرى تنفسه حتّى أصبح يرى الموت وجهًا لوجه، لم يقدر على الصراخ، فشرع  فس إستجداء إلهه للنجاة، لكنّه قبل أن يفعل ذلك تذكر حياته بين المُنحلّين، و كيف جاع ووالده عندما ماتت والدته خَّـلّاقة، فقد كانت المُعيلة الوحيدة للأسرة، عندها لم يتوقف مؤمن عن الدعاء ليلًا ليجدوا طعامًا؛ و رفع رأسه إلى السماء فوجد غرابًا أسودًا ينظر إليه، رغم طفولته قد فسّر الطير رؤية كرد من ربه بالرفض، و في الصباح مات والده. بعد ثوانٍ من إنقلاب عقله على إدراكه، و هروب الهواء من جسده و أيضًا بعض السعال العنيف؛ عاد له تنفُّسه لكنّه غط في نومٍ عميق لمدة غير معلمومة.

"كم لبثت!" إستيقظ مؤمن ليجد لحيته طويلة كلحاة الكَهَنَة، وفمه جاف كالورق، نظر حوله فلم يجد أيًّا من الشجرة، أو الطُرق الكثيرة، فوجد الأرض خضراء حوله، و السماء ترعى المكان، و بُحيْرة صغيرة شَرِب منها ثم إغتسل، في تلك الساعة نسى مؤمن من يكون، و بعد سنوات قليلة، صار الناس يدعونه وليد.

معلومات عن الكاتب
بنت مصرية، عمرى 21 سنة، هوايتى المفضلة التحدث مع نفسى بصوت عالى؛ و الكتابة أحد نتائج الهواية العظيمة دى .. هتلاقونى بكلم نفسى معاكم كتير. شخصية كئيبة بالفطرة تتغذى على المأساة و أقصى لحظات السعادة بالنسبالى شجن.