من فضلك، اخرج من الشاشة الإلكترونية !

من فضلك، اخرج من الشاشة الإلكترونية !

 

أمام أحد الأجهزة المعقدة في عيادة دكتور الرمد، جلس شابٌ في العقد الثاني من عمره و في يديه هاتفه المحمول يطبق عليه بأصابع متعرقة يحاول بإستماتة أن يمنع جفنه من الإرتخاء في مواجهة النور الباهر المنبعث من داخل ذلك الجهاز بينما يمرر الطبيب تلك البؤرة المضيئة أمامه جيئة و ذهابًا.

" نظرك سليم يابني مية في المية، انت بس عندك جفاف" قال الدكتور آسفًا مشيرًا بطرف عينيه من خلف إطار نظارته الذهبي إلى الهاتف المختبئ في راحة الشاب الجالس أمامه.

" جفاف ايه يا دكتور !! أنا عيني بتزغلل و مش بشوف كويس." قبل أن يتكلم الطبيب البادي في ملامحه خيبة الأمل، نظر طويلاً إليه ثم بإقتضاب أجاب
" التليفون يا فندم .. بتبص في التليفون كتير ..". " مش فاهم !! ايه العلاقة ؟ " تململ الطبيب في جلسته، إذ لم تكن تلك حالة الجفاف الأولى التي تبدي عدم فهم ساذج و تسأل في براءة. فخرجت من صدره تنهيدة قصيرة مُعلنة نفاذ صبره و أجاب " يا حبيبي انت لمّا تبص كتير في الموبايل ده أو الكمبيوتر اللّي في بيتكو أو أي جهاز تاني لا إراديًا عينيك بتبطل تبربش .. عارفها البربشة ؟ أهي بقى قلة البربشة دي بتجيب جفاف ! حضرتك تحط القطرة دي، و تسيب موبايلك شوية هتبقى زي الفل بإذن الله و مش بعيد تطلع شرار من عينيك بعد كدة .. ألف سلامة "..

عزيزي القارئ، قد يثير ذلك المشهد ضحكك و لكنّه في واقع الأمر يُمثّل الحقيقة المؤلمة! تجوّل معي قليلًا بعين الذاكرة في الشوارع و المقاهي و كافة وسائل المواصلات، و حتى قاعات الدراسة و مكاتب العمل و صالات التدريب الرياضي و سأجزم لك أن المشهد الوحيد المتكرر هو ذلك: رقاب منحنية في صمت عميق، فوق شاشة إلكترونية صغيرة أو كبيرة، أصابع تتلاحق حركتها الدقيقة بلا توقف، و تعبيرات مكتومة في الوجوه التي تعانق الشاشات. و يكاد الكيان الكًُلي لهؤلاء الصامتين يذوب عن آخره فيها! بل يصل الأمر في حِدّته إلى الغياب التام عن الواقع، و الإنفصال الكلّي عن الحياة بطبيعتها و تفاعلاتها العشوائية فتجدهم يأكلون و ينامون و يتحدثون و يقضون حاجتهم في صحبة تلك الأجهزة ! حتّى أن الرابط الإلكتروني العجيب بينهم لا ينحل بضرورة القيام ببعض المهام أو الوظائف الحياتية المختلفة فينتهي الأمر بتأجيلها !

ثمة أهمية محدودة بالطبع للهاتف و الحاسوب، و لكن الواقع أنّ بإستثناء الإستخدام الطبيعي لهما في إطار المنطق المقبول أصبح الوضع مَرَضِي خارج عن السيطرة ... و المثل الشعبي الشهير أصاب حرفياً بقوله " كل شيء يزيد عن حده يتقلب لضده " يُخيّل إليّ أنّ بوادر هذا "الضد" قد بدأت في الإنتشار .

نادراً ما ترى الآن تفاعل حقيقي بين الأفراد سواء في المناسبات الإجتماعية، كالمعايدات التي تتضمن الزيارات و الهدايا و مشاركة الوقت و المشاعر و الإنفعالات العاطفية، أو كالمواقف الحرجة التي تتطلب تفاعل وجداني أعمق. و على النطاق الأصغر داخل الأسرة الواحدة، أصبحت الأوقات المقدسة من التجمع حول المائدة إلى التسامر ليلاً أو التسكع في الخارج ضرباً من ضروب الخيال بل آلت لسخرية القدر إلى مصدر تهكُّم و مادة خصبة لصناعة النكات و التندر !

على خلاف الأجيال السالفة التي عرفت معنى الحياة و عاشتها جملةً و تفصيلًا، تعودت أجيال الحاضر الإلكترونية على إستقبال خبرات الحياة الجديدة من خلال إطار الأجهزة الضيق الذي يعرض وجهاً واحداً لها. أمّا الخوض الفعلي للتجربة فيكون في مرحلة متأخرة بعد مشاهدتها بالكامل و عيشها من خلال الشاشة، فتفقد روعتها و حماسة الإحساس بها. هل ترى إقبالاً هذه الأيام على مشاهدة الطبيعة و التمتع بها خارج نطاق الصور العالية الجودة التي تجود بها الكاميرات و تتلقفها وسائل العرض المختلفة من أفلام و فيديوهات و خلافه ؟ ما نسبة محبي القراءة الذين يحتفظون بالكتب الورقية في مكاتب حقيقية، و يستخدمون الأقلام الخشبية و الأوراق في الكتابة و التدوين ؟ صفر ! لا أعيب في النوعية الأخرى من القرّاء، و لكن أرصد واقع أن الجمال المخفي في حفيف الأوراق و رائحتها، و ثقل الكتاب في يدي صاحبه تلاشى و أصبح مجرد سرد لتاريخ قديم نتأفف لدى سماعه و ندعوه رجعية و تخلف !

أشياء كثيرة تحمل رونق خاص و جمالاً طبيعياً أودعه الله فيها، أصبحت بلا أهمية و بلا قيمة و فقدت وجودها، فتوارت خلف الظهور الكاسح و المسيطر للألة. ناهيك عن التحول التدريجي للمشاعر الشخصية، إلى الإنحصار في قوالب الكلمات المكتوبة التي تخرج مجوفة بلا عمق أو نغم واضح، فأصبحت الإبتسامة كالتحديق كالصراخ الجميع يكتب بنفس الحروف و نفس الوتيرة ... فمتى نتحرر من سجن الآلة لنمارس حياتنا بالطبيعة التي خُلق عليها تكويننا الإنساني ؟.. متى نتعامل مع التكنولوجيا الحديثة في حجمها المناسب، و لا نبالغ في تقديرها و نفرط في إستعمالها ؟.. متى نخرج بالكلية من الشاشات الإلكترونية التي ننزوي في أركانها و نشاهد الحياة باهتة من داخلها ؟..و تذكر يا عزيزي القارئ، أن تفرك عينيك جيداً بعد إستخدام الهاتف كثيراً حتى لا تصاب أنت أيضاً بالجفاف!

معلومات عن الكاتب
Pharmacist
Pharmacist ... Freelancer Writer Adore Art, Fiction and all what links to nature !