صراع

صراع

 

كانت سيارة على وشك أن تدهسُه، إلّا أنّها توقفت في اللحظات الأخيرة، صوت احتكاك العجلات بالأرض أزاده إرتباكًا وظلّ واقفًا بمنتصف الطريق السريع لحظات قليلة كانت كالدهر، إلى أن أسرع سائق تاكسي وأمسك بيديه ليمر به للجهة المقابلة، وعندما نصحه السائق بألّى يسير بمفرده مرة أخرى سمعه يُتَمْتِم بكلمات مُتفَرِّقة عن القَدَر والصِراع ولمّا لم يفهم كلمة من العجوز، انقطع الصمت وتوتّر المشهد بدعوة من العجوز الضرير قائلًا "روح يابني ربنا يبعد عنك أولاد الحرام!" 

كان حانوتيًا، وكثيرًا ما تحمّل الإهانات من سكان حيِّه، البعض كفّ التعامل معه كونَه فأل شؤم، وآخرون نعتوه بأنّه لرجل فقر، وكانت صحّته سابقًا تساعده على أداء مُهِمّات عمله المقتصرة على المجهود البدني فقط كحمل التوابيت وحفر التُرَب و دفن الموتى وربّما تلاوة القليل ممّا حفظه من القرآن إن تغيّب إمام أو شيخ مقابل جنيهات زيادة على إكراميته، إلّا أنّه ضَعُفَ بتأثير السن وأصابه الوَهَن و العجز فعمل سفرجيًا للمآتم وقاعات العزاء لسنين هذه عددها ولمّا أصابه الضرر لم يستطع أن يباشر أي عمل فاقتصر على الاستعطاء يوميًا بالمدافن أو تلاوة ما تيسّر من الدعوات والإبتهالات في حالة غياب رجل دين أو قارئ.

ولأن الحانوتية منبوذون  من عامة الناس، بسبب أنّ عملهم ولقمة عيشهم قائمة على مصائب وبلايا الناس، فكان معروف أن الحانوتي ينتدب حظه لو مر يوم أو بضعة أيام بدون ميت آخر أو حالة وفاة أخرى، فلكونهم منبوذين كان لهم مجتمعهم الخاص، فذاك مطعم فرج للفلافل وكل زبائنه يوميًا من الحانوتية وتلك قهوة الصبر لمجتمع الحانوتية.

وكانوا الحانوتية، برغم كراهية الناس لهم، لا يبالوا، فهم – نوعًا ما – تجردوا من مشاعرهم الطبيعية لهول ما يروه يوميًا، فالموت رزق، والحريق موسم، والحوادث اليومية رزق وفير من عند الله، ولتجردهم من مشاعرهم كانوا دائمًا لا يهتمون بميِّتي العائلات الفقيرة على عكس العائلات الكريمة، فكانوا يدفنون الفقراء بإهمال مُتعلِّلون دائمًا بأنّ (الشغل كتير)، كما أنّهم كانوا أشد عداوة للصيّادين المجتمعين بقهوة الصيّادين التي تبعد أمتار عن قهوتهم والحق أنّه في ليالي فائتة شهدت المساحة بينهم معارك دامية انتهت بتأمين مُشدّد من طرف الحكومة بضعة أيّام إلى أن ينتهي الغضب وتعود الأمور لوتيرتها مرة أخرى.

ولكن شد ما أصاب العجوز هو تفكيره الدائم في القدر، رزقه اليومي يعتمد على القدر، الأمر مختلف نوعًا ما عن التجارة والهندسة ورُبّما الطب، القدر يتدخّل في كل الوظائف لكن ليس بهذه الصورة الفجة في عمله، يقولون أنّ لكل مجتهد نصيب، ولكن أيّ إجتهاد في عملية دفن الموتى يمكن أن يزيد معه نصيبه، في أيّامِه السابقة كان يرى ذلك بوضوح، كان مهيّتُه لا يُعتمد عليها في حياة يسيرة نسبيًا بدون البقشيش، وكان قد باشر عملًا إحصائيًا عن متوسط عدد الميتيين يوميًا وشهريًا لإحصاء متوسط البقشيش الشهري، ولكن – والشهادة لله – لم تتفق أبدًا إحصائياته مع الواقع مقارنة مع المصائب والبلايا التي قد تحدث يوميًا والتي قد لا تحدث أبدًا، ولمّا ناقش أفكاره مع أصدقاؤه بمقهى الحانوتية أجابه أحدهم :" يا صاح! لا تحسبها، كله على الله!"، وسكت ولكن أفكاره لم تسكت، عَلاَمَ يعتمد القدر في انتقاؤه مُستَحِقّي الرزق، ويذكر يوم تندّروا بقصة "يوم عطلة عبد السميع المتمارض"، يوم أن كان (الشغل على ودنه) كما قالوا، وكان عدد الميتين قياسيًا في هذا اليوم، حتى أنّ كل حانوتي رجع بيته ببقشيش شهر، طبعًا لأن كل الميتين من عائلة كريمة، وبينما كانوا يتندّرون بقصة عبد السيمع كان الضرير يضرب كفًا على كف، وسأل نفسه عن القدر الذي اصطفى الكثيرين من الحانوتية بالرزق الوفير هو هو من ابتلى عائلة من أكبر عائلات المنطقة بموت أكثر من نصف أفرادها!.

وكانت أفكار تدور في رأسه لا تتركه إلّا مُنهَكًا، لِما ندعوه قدرًا، وما ملامح القدر؟!، هل هو إنعكاس لرحمة الله وعدله المطلقيْن؟! أم هو في إنتقاؤه عشوائيًا؟! ولمَ لا يكون إنسجام وصلات لا نهائية في فضاء الكون الرحب؟! .. ذاك مات لأن مُعدّلات الدهون المتراكمة في رئيته كانت أكثر ممّا ينبغي وربما لو لم يأكل في ذلك اليوم هذا الكم من السمين والمشكِّل ما وافته المنية!، وهاك لو كان والده لم يخرج للشرفة قبل صلاة الفجر يُدخِّن سيجارة تاركاً باب الشرفة مفتوحًا لما اعتلت جيوبه الأنفية ولما كان مشوشًا أثناء عبوره الطريق الرئيسي لتصدم به سيارة أجرة، للتو سائقها التعس أخذ قرار طلاق زوجه.

اليوم، ككل يوم، يسير العجوز الضرير، عابرًا الطريق السريع، في صراع مع القدر، معركة لا نهائية، متوكأً على عصا صدأه، مرتديًا رداءًا من الصوف برغم الموجة الحارة بشهر فبراير، ويتسائل:"هل يختاره القدر ليوم إضافي من حياته، أم سيكون رزًق يذهب لحانوتيًا منتظرًا ميّتًا آخر!"، وكانت سيارة على وشك أن تدهسَهُ، إلّا أنّها توقفت في اللحظات الأخيرة، ولمّا انتهى صراعه اليومي مع القدر لم يكن يعرف حتّى إن كان قد كسب المعركة أو خسرها.

معلومات عن الكاتب
Electrical Engineer
محباً للقراءة وللكتابة، متشائماً إلى حد كبير، أتذوق الجمال وإن قل تواجده.