تكفيني يديك دليلًا أنّ حبكِ بلا منافس

تكفيني يديك دليلًا أنّ حبكِ بلا منافس

 

أذكر أنّني منذ الطفولة و حتّى هذه الساعة لم أرى في حياتي معجزة أجمل و أعظم من يد أمي. تلك اليد، التي كانت و ستبقى المحرّك لوجودي، الدافع لاستمرارية حياتي و السبب الأعظم في حبّي للحياة، و وصولي لهذه اللحظات التي أسطّر فيها كلماتي الآن.

لم أرها مرتخية يومًا عن الكد و العمل، لم تكن في حياتي، سوى دفقات متواترة من الحنان و الحب، تُربّت كتفي و رأسي دائمًا في قيامي و منامي. دائما تبسطها قبلاتي بكل ما استطاعت أن تمسك من أحلامي، و رغباتي منذ أيامي الأولى و تقدمها إليّ في سعادة لا أراها الّا فيها.

كم من مرّات ارتفعت تلك اليد، صدًا لأذى قد يلحق بي، و رغم رقّتها مازلت أراها حصنًا قويًا أحتمي فيه، كفها الدقيق يحتضن وجهي كلما سكن التجهم ملامحي، فأغوص في دفئه و أتمتع بالحب الشافي في لمساته. ما ارتفعت يدها قط لإهانة أو قسوة، ما أغلقت يومًا في وجهي و ما سمحت لحظة واحدة لشفتي أن تلثمها في رفق تقديرًا لها! لأنها تحب، و لا تنتظر مقابل .. تتعب و لا تهتم كيف تحوّلت إلى يد مرهقة و خشنة من كثرة المشقة و العمل.

كيف سحرتيني يا أمي بهذه اليد؟ كيف لم أمل النظر إليها، و التمعُّن في خطوط الزمن المحفورة فيها، بل أراها دائمًا تتألق في نضارة كأنّها لم تشقى أبدًا، تجدد قوة و عطاء خلته توقف مع السنين. ما كنت لأعشقها لو لم تكن مغمورة بالحب، ما كنت لأبقيها متشابكة في أصابعي هكذا، لو لم أكن أعرف أنّ حياتي بلاها لن تصمد، و كيف ستبدو الحياة بلا يديك؟؟

أمّا قلبك يا أمي، فدعيني أخبرهم عنه ..


اذا إنتابتني موجة فرح، تتراقص روحها طربًا، و إذا أصابت نفسي كآبة و اعتصرت قبضة الألم قلبي، فهي تصرخ معي وجعًا مضاعف. اذا حاصرتني المتاعب، و تكاثرت فوقي الهموم، ليس مهرب أكثر أمانًا من أحضانها الدافئة، و خفقات قلبها المنتظم تهدئ اضطرابي.

رغم دفقات الحب الدائمة التي لا تنتهي و لا تنقص و لا تتغير تجاهي، لا تفرض أبدًا وجودها في حياتي. لا تقحم نفسها في شئوني وتهتم قبل كل شيء أن تكون حولي كنبع صافي كلّما عطِشَت نفسي لها أجدها و إلى حين إرتوائي منها تبقى مراقبة في صمت من بعيد، إنّما صفاء روحها، و ذلك البريق الخلاب في عينيها المشرقتان بالحنان، و الهدوء الراقي في همسات شفتيها يجعلني أذوب عشقًا فيها و لا أقدر أن أبتعد كثيرًا عنها.

تتفانى في إرضائي بكل الوسائل، و لا تطلب مكافأة، يكفيها فقط أن تراني دائمًا في أبهى صورة. تنسى الإسائة و تغسل الماضي بالغفران، تحاصر دائمًا تقصيري و هفواتي بالكثير من الأعذار و التبريرات و لا تطلب اعتذارًا.

أنظر اليك يا أمي، منهكة القوي و لكن سعيدة مرضية، فأجد نفسي صغير أمام عظمتك، لا أعرف كيف أرد التعب المبذول من أجلي.

نجاحي من قطرات عرق جهودها المتواصلة على مدى سنين عمري، لقد آنست الصقيع في ليالي البرد القارص،  صادقت السهر و نسيت النوم، و غرقت في حرارة الصيف القاسية تعمل بلا انقطاع، أعوام متتالية دون توقف و لا تأفف، لكي ما أصل إلى ما أنا عليه الآن. أخفت عني كل معاناة و حزن ألمّ بها حتى لا أنشغل بها أو تنشغل هي عني، فهي لا تهتم بنفسها بل الأهم دائما و أبدًا هو أنا.

هي قلب لم يخلق في نقائه آخر، و حنان لا يوجد لنبعه قرار. حبٌّ لا يعرف الكلل أو التمرُّد أو الهروب، شمسٌ ساطعة في سماء حياتي لا تغرب، بل تزداد إشراقًا كلما دعوتها بأبسط الأسماء ؛ أمي.

معلومات عن الكاتب
Pharmacist
Pharmacist ... Freelancer Writer Adore Art, Fiction and all what links to nature !