هنيئًا لكم الموت شباب المستقبل

death

هنيئًا لكم الموت

صوت النهاية أوشك على الإستماع، دقّات القلب كادت تُقتَلَع من الخوف، رعشة الأيدي تَبدّلت بحالة من البرودة، فُقدان شعور تام مصاحب بفقدان أمل. دموع تنزف لتختلط بماء البحر في مزيجٍ ساذج، صِبية في عُمر الزهور أفقدتهم الحياة رونقها كأشجار اقتُلِعت قبل أوانِها كعواصف رملية في فصل الشتاء. الهرب هو طريقتهم الأمثل للتعبير عن طفح الكيل من تلك البلدان المُحمَّلة بالكره لشبابها الغارقة لأحلامهم والمعادية لوجودهم والدافنة لآمالهم، تاركين هنا نِعَم، تاركين كل ما كَرِهُوا يومًا أملًا منهم في الحرية الزائفة. معتزلين الخوف والفقر والحسرة وذاهبين إلى مصير مجهول في محاولة بائسة منهم للتطلُّع لحياةٍ أفضل. حاملين حقائبهم بين صدورهم المرهقة المُحمّلة بالذكريات، صوت خطاهم مازلت أسمعه كأنَّهُ مزيجٌ بين تفائلٍ ساذج ورغبةٍ متصنعة في الحياة. اتّسَعَ المركبُ أجسادَهم ولم يتسع أحلامهم .. كان وجهًا لمرآة مُتِّسخة عن نيتها للفتك بهم. وقبل ركوب هذا الشيء اللّعين كانوا ينظروا لها نظرة مُطوَّلة فلم أفهمها! أكانت نظرة وداع أخير؟ أم نظرة حنين إلى بلاد سلبت منهم كل شيء؟ أو بالأحرى كانت نظرة تنمُّ عن الشوق المُسبَق للأوطان. 

هؤلاء الشباب رقدوا هنا مصارعين الموت ومصارعين المستقبل المجهول كل ما يشغل أذهانهم تلك الجنّة على الأرض الذاهبين إليها ( زواج أخته، علاج أبيه )، تلك هي أوجه السعادة التي لطالما بحثوا عنها ولم يجدوها في بلادهم فقد بحثوا عن كل ما فقدوا. وها قد حان الوقت دقت ساعة الموت انفتحت القبور إستعدادًا لهم. تسارعت دقّات القلب، انذرفت الأدمُع وانقلبت أحلامهم إلى آلام متتالية واتجهوا إلى مصير يتّسِمُ بالسواد. إنقلب مركب الأحلام في أعالي البحار، تحوّلت أصوات البهجة إلى أصوات صراخ. نُصِبَ الصِوان .. فأحلامهم لم تستطع إنارة سواد البحر، شدة البرودة القاتلة وإنقطاع الأنفاس كان ردٌ قاطع ونهاية حتمية على إنتهاء المعركة.

تشبّكوا ببعضهم البعض أملًا منهم في النجاة، إختلفت أجناسهم وتوحّدت أحلامهم، إختلفت دياناتهم وتوحّدت الأدعية " فيا الله " النجدة لا نريد الموت. كلُّ منهم غرق واحدًا تلو الأخر، سقطوا كما يسقط القتلى في المعارك. غرقوا وقد غرقت معهم آلامهم وأحلامهم، ومن بعيد أثارني شاب فبالرغم من صراعُهُ مع الموت كمشهدٍ تليفزيوني رائع لم تكن نهايته سعيدة على الإطلاق أخرج هاتفه " فبصوت متلعثم وبلهجة متسرعة أجبيني يا أُمّي " أتسمعيني؟ أُحدِّثُكِ وأنا في نهاية المطاف كنتي دومًا ما تخافي علي من البرودة، فأنا في أعالي البحار الآن وعلى غير العادة لا أشعر بها! فكيف أشعر بها وصوت أنفاسك يدفئني ..

أُمّي فقد كنت أحلم بأن أنتشلك من الفقر لأجعلكِ تحيي حياةً كريمة، فقد كان لدي الكثير من الأحلام التي لم تتيح لي بلادي فرصة لتحقيقها فذهبت وتركتك وكان حليفي الموت. المياه تلتهمني في بطونها كذئب مفترس ينقض على فريستة .. ومن بعدها إختفى الصوت، صوت الصافرة أصبح متصدّر الحديث صوت فقاعات المياه الدالة على الغرق كانت أقوى من صوت مناجاة الحروب.

اختفى الصوت واختفى معه آلاف الشباب الآخرين، أُنتشِلَت جثثهم من البحر لتُدفَن في قبور عمرها مئات الأعوام لتأوي شبابًا لم تتجاوزأعمارهم العشرين. فهنيئًا لكم الرحمة من بلدان كهذه. 

فيا شباب الوطن العربي أحياءٌ منا أو أموات لم نقترف ذنبًا بالبحث عن حياة في بلاد تعشق الموت، وليس ذنبًا أنّنا وُلِدنا في وسط جهلة من الحاكمين ومجموعة من المنتهكين لحقوقنا فلن نكف عن الحلم وإن كان مصيره الموت فليمت منتصرًا...شباب الهجرة هم شباب باحثين عن أمل في بلاد تفتقد للأمل .. فهنيئًا لكم.  

معلومات عن الكاتب
journalist-pr member
أكتب لأرمم ذلك العالم المأساوي، أكتب لتخترق كلماتي كرصاص في قلوب الغائب ضمائرهم وقاتلي أحلامنا!