أجاثا : وهم الأمان

أجاثا : وهم الأمان

 

أجاثا الصغيرة، ذات القلب الحريرى، و العينين الزجاجية، تستيقظ على أرض" الجنة"؛ تلك الجزيرة الجميلة حد الجنون، لكن لسبب ما هجرها أهلها .. لسبب غير معلوم لم يعد يدخلها أحد.

نظرت حولها فى دهشة؛ كل ما تراه ينعكس على عينيها الصافية، ثم ينساب إلى قلبها. قامت بنصف جسدها العلوى اولاً، تدلك رقبتها لتزيل عنها أثر النوم على الأرض الصلبة، تتفقد جناحيها البيضاوان و تنفض التراب عنهما، تطيل النظر قليلاً؛ فتضحك.

"أشجار عملاقة !" تصرخ ولعاً؛ تطير أعلاهم لترى كل الأرض تحت قدميها الصغيرتين. تشاهد سناجب صغيرة، فتلاعبها، تطاردها حتى وصلت إلى بقعة مليئة بالخيرات فتأكل، و ليس ببعيد وجدت بحيرة "الحقيقة" عذبة لذيذة، عندما تشرب من مائها، سترى إنعكاس روحك فى مياهها، نظرت أجاثا إلى صورتها فوجدت هالة من النور، فضحكت.

"سأعيش هنا للأبد" تقول متحدية الفضاء؛ ما الذى قد يسوء هنا، تلك الأشجار قوية، لن تسقطها رياح أبداً، و هذا الطعام مبارك و مخفى عن العالم، لن تمسه يد الأض بسوء، ولن يجروء على سرقته أحد. و هذه البحيرة السحرية، لا تجف مطلقاً، ولن تعطى خيراتها لشرير، ستريه نفسه القبيحة فسيرتعد خوفاً و يهرب. سأسكن الكهوف المليئة بالورود ليلاً، تلك المخلوقت الرقيقة لا تؤذى أحد؛ ما الذى يمكنه حملى على الرحيل، ليس لتلك الحيوانات الصغيرة هوس الإمتلاك أو الحمية الكاذبة، لن يحاربونى لأرحل؛ بل سيشاركونى موطنهم فى سلام.

لم تزل تحادث نفسها حتى سمعت زئير يعلو و خطوات تزلزل الأرض تحتها، إختبئت الحيوانات خوفاً، إلا أجاثا، فخوفها جمّدها فى مكانها فصارت كشجرتها المفضلة. إفترش ظله الأرض فوصل قبله، معلناً عن هيئة القادم من بعيد، هذا العملاق ذو الرداء الأسود المتهرئ، مع قبعة كبيرة تخفى ملامح وجهه، يمسك سوطاً ذا أربع أذرع، الأول كُتب عليه "القلق" والثانى "الإهمال" و الثالث "العِناد" أما الرابع فهو "الأمان".
تهمس أجاثا فى خوف : من هذا يا شجرة؟
تجيبها الأخيرة؛ هذا وحش الجنة، إسمه خذلان.

ضرب خذلان الأشجار العتيقة بذراع سوطه الأول؛ القلق، فإذا بالمخلوقات الأكثر صلابة، تتحطم كبيت من القش. ثم أكمل طريقه إلى مكمن الخيرات فصعقه "الإهمال" فصار معظمه رماداً قبل أن يمد إليه يده فيأكل. لكن لما أخذته قدماه لكهوف الورود صاحت أجاثا : إحذر أن تدهس الورود الصغيرة! أتوسل إليك أن تبعد سوطك المتعطش للأذى عنها! نظر إيها خذلان غير مكترث بارزاً إبتسامة بلا معنى، تاركاً ذراع سوطه "عِناد" الذى عث فى أرض الكهف فساداً فقتل الوردات الصغيرة.

لم تستطع أجاثا التحمل فأسرعت تفتدى ما تبقى بنفسها، وقفت أمام البحيرة باكية، ترجو خذلان أن يبتعد عنها فهى سر الحياة هنا. لم يستمع إليها الوحش بل جلس يستريح بجانب البحيرة حتى غط فى نوم عميق؛ شعور من الراحة غمر أجاثا فتركته مكانه دون إيقاظه، فما نوع الخطر الذى يشكله نائم. أخطأت الصغيرة فالذراع الأخير "الأمان" دائم الجفاف، مولع بالمياة العذبة، إنزلق سرا داخلها فأبتلع نصفها. لم يشعر خذلان بما حدث؛ فقد أفاق من نومه بعد حين ثم رحل عن الجنة، تاركاً الصمت، و الصدمة لأجاثا.

أحصت الصغيرة الخسائر بدموعها، و نامت محطمة كصديقاتها الأشجار..

لاحقاً قد تعلمت أجاثا أكثر عن خذلان، و بدأت فى التكييف معه، فزرعت ورودً و أشجاراً جديدة مستخدمة رفات الراحلات، أما الطعام و الشراب فخبأت بعض منه فى مساكن الحيوانات. قررت البقاء فى الجنة، حتى إن لم تجد الأمان، فشأت أم أبت خذلان هو رفيق سكنها؛ جزء رابض فى جنتها الصغيرة، ولا تملك إلا أن تودع ضحايا سوطه بقلبها، وتستيقظ فى اليوم الثانى لتصلح فى سلام ما أفسده.

معلومات عن الكاتب
بنت مصرية، عمرى 21 سنة، هوايتى المفضلة التحدث مع نفسى بصوت عالى؛ و الكتابة أحد نتائج الهواية العظيمة دى .. هتلاقونى بكلم نفسى معاكم كتير. شخصية كئيبة بالفطرة تتغذى على المأساة و أقصى لحظات السعادة بالنسبالى شجن.