غابت الشمس والأرض لا تدور

غابت الشمس والأرض لا تدور

 

دوى صوت إطلاق النار في المكان، كأنه اول صوت يحدث في الأرض كافه..

كما كان يشاهد على التلفاز في طفولته، يضرب الرجل الباب بقوة بقدمه ويدخل ويمسك بمن يريد ويخرج به مسرعا.
إلا انه عندما ضرب الباب هذه المرة توقف للحظات امام فتاة جميلة في العاشرة، تمسك دميتها الصغيرة وتنظر له لا بخوف، ولا اندهاش، بسعادة غريبه، تبتسم في وجه من يريد قتل اباها، وكيف لها ان تعرف، هو يعرف !
ستتذكر هذه اللحظات جيدا عندما تكبر وتعرف ما كان خلفها حقا.

يمكنك ان تسمع في خلفية هذه اللوحة شارة احد برامج الاطفال

لو انهم يسمعون، أخطأت لو يفهمون، اود الاعتذار فالأرض لا تدور

تركض الام مسرعة لتحتضن طفلتها وتأخذها بعيدا عن هذا العالم الكبير الغريب يخرج الأب بضعف سرعتها من الباب المكسور، وصديقنا يبدو انه في عالم اخر, انتبه اخيرا والتفت مسرعا.
حسنا ها قد بدأت المطاردة، لا داعي لتفصيل ما حدث هنا انت تعرف، ركضوا وكأن حياتهما تعتمد على ذلك
واخيرا نصل الى الطريق المسدود، المواجهة، يستدير الاول وتلتقي الأعين اخيرا.

هو يعلم يقينا ان الركض لم يكن محاولة للهرب من الموت، بل محاولة لإجهاده، انت تعلم، لا تريد للموت ان يأتي ليحصد روحك وهو سعيد هادئ، وكطبيعة الجميع، عندما تكون سعيدا تريد الاستمتاع بما تفعله وتذوق كل لحظه منه، والموت المجهد من الركض يأخذ حياتك سريعا، حسنا في أغلب الأحيان.

توقف، بصوت ضعيف مجهد بدأ الحديث..
ماذا حدث لك بحق السماء !
انت لم تتخط أي شيء قط، توقف عن الكذب على نفسك، لم تخرج ولو للحظه واحده من حدود ما حدث ! اوهمت نفسك بالقوة والسيطرة، حملته معك في كل مكان حتى توسعت حدوده لتشمل حياتك بكل ما فيها، بكل ذرة هواء تشاركك الوجود !
وعندها، عندما توقفت عن معرفه مصدر الألم، اعتقدت ان الأمر انتهى، وان كل ما يحدث لا علاقة له بأي شيء حدث سابقا !
عندما اصبح كل الوجود يؤلمك بسببه وانت تكذب على نفسك !

انظر الي ! انا افهم ما تشعر به، كل ذلك الألم، والغضب، ووحيد لا تجد من تشاركه كل ذلك !
لكنه كان اختيارك ! انت تعرف ذلك جيدا انا اعلم يقينا انك تعرف، فقط قلها بصوت عالي، اختر مشاركتها وستجد من يريد سماعك !
اعترف امام نفسك، عندها فقط سيعود كل شيء الى حيث ينتمي.

متى ستتوقف عن الكلام 
لا مفر يا صديقي، انا أعرف وانت تعرف، يجب علي قتلك ! ...

بدأ كل شيء عندما توفي والداي وانا صغير، يتيم اخر يولد للحياة بكل ما قد يواجه من عقبات قد تحوله لمعتوه ومنبوذ اخر
صدمة لم افهمها في ذلك الوقت، استمرت الحياة، كنا ميسوري الحال، تُرك لي ثروة صغيره، كل شيء بخير، حسنا الا عندما يأتي المساء، يقال

السعيد هو السعيد ليلًا والشقي هو الشقي ليلًا أما النهار، فيشغل أهله

كطفل لم يمر بالمراحل المعتادة في حياة أي طفل طبيعي، تقريبا، لم اعرف الحديث الا لأمي، قبل موعد النوم، اشاركها القليل من احداث يومي البسيطة، تتسارع دقات قلبي خوفا إن كنت أعترف بخطأ، وتتسارع أيضا إن كنت سعيدا، في كل الحالات كان كل شيء في الوجود يتوقف عن الحركة، تتوقف الرياح والأمواج والأمطار، تصمت الاصوات جميعا، وكأن الكون يعلم أن ما بداخلي يفوقه عظمة، تبتسم أمي، تحتضنني، تقبلني " كل شيء سيكون على ما يرام، انا فخورة بك ... "
عندها فقط يعود كل شيء للحركة، يبتسم الكون ايضا، لقد فَهمت، ستفهم دائما.. سيكون بخير..

لم يسمح لي الوقت بالخروج من حضن أمي الذي كان حياتي الصغيرة الى العالم الكبير حولي، اصدقاء تتوطد علاقتي بهم، نسهر حتى اوقات متأخرة، نتشارك تجاربنا العاطفية الفاشلة، نطرق ابواب بعض العادات السيئة، حسنا يسمح لك ذلك العالم بمعرفة أن أمك ليست الشخص الوحيد الذي سيبتسم، يحتضنك، يقبلك، ويقول: كل شيء سيكون على ما يرام.

كنت وحيدا، ثري، ووسيم كما يقال، ناجحا في بعض الاحيان، ولكن وحيد، كل تلك الوحدة حولك تغير القوانين، لا تتسارع الاجسام الساقطة بمعدل 9.8 متر لكل ثانيه، هي تسقط، وعندما تسقط ترتطم بالأرض، بهذه البساطة.
ماتت أمي، صمت كل شيء، توقفت الأرض عن الدوران !، ما بداخلي يفوق كل شيء، ولا أحد ليبتسم، ليفهم !
ماتت أمي، وسقطت.

يتبع ... 

معلومات عن الكاتب
Student
أحمد هشام أحمد، طالب بكلية العلوم جامعة الإسكندرية، يبدو أن أحلامه لم تكن واضحة حتى اصطدم بواقع أن الحياة لا تهتم بك على الإطلاق، عندها واجهها وأخرج للنور أول صراعاته الأدبية معها، مدركا من ذلك أن نجاته في الكتابة، ولد في المدينة المنورة وعاد ليكمل دراسته بمصر، يحاول التسلح لمواجهة كل شيء بالقراءة، الرياضة وخصوصا كرة القدم، والموسيقى بالطبع، في أول طريق شغفه ويسعى للوصول إلى أعماقه إن شاء له الله.