الجنس .. بين القلب و العقل و العلم (الجزء الثاني)

الجنس .. بين القلب و العقل و العلم (الجزء الثاني)

 

في المقال السابق .. تحدثنا عن حقائق صادمة  و احصائيات مُخزية .. ليست مُخزية لأنها عن الجنس .. بل مُخزية لأنها تحتقر الرقي الروحي و الانساني .. بل اتفقنا أن الجنس طاقة لا يُستساغ استعمالُها استعمالاً سيئًا أو مبتذلاً، على نحو تلقائي.. أي بعقل متدنٍّ هو غريزة.. الجنس طاقة واعية هادفة.. أوجدتْها فكرةٌ سامية.. وتحقِّقها إرادة انسانية ، والحق أن الإنسان الذي يسيء استعمال قواه الجنسية يسيء إلى نفسه، إلى الوجود، إلى الآخر، وإلى الحقيقة السامية بتكريم الإنسان علي جميع المخلوقات .. فكيف يُهين الانسان نفسه بهذه الطريقة و الله هو الذي أمر الملائكة بأن يسجدوا له !

أما الان فحديثنا فلسفي علمي بحت حول الصراع بين العقل و القلب للظفر بالجنس .. و هذا يقودنا الي .. لماذا نميل للجنس ؟ او بمعني آخر ما الطاقة الخفية وراء الجنس و التي تحركنا نحو السعي اليه ؟

تقودنا هذه المقدمة الوجيزة إلى بحث – قديم جديد- حيّر العلماء بين "الدافع الغريزي" و "الدافع الحيوي الواعي".

فما الغريزة؟ وما الدافع؟ وما الفارق بينهما؟

مقتبس من عدة أبحاث علمية عن علم نفس الجنس

نحن نعلم أن ولادة الإنسان تعني وجود الدافع والتلقائية. فالطفل يطلب الطعام والماء منذ ولادته، وذلك على الرغم من عدم معرفته بما يطلب. ولذا نقول إن الدوافع تولد مع الإنسان. وكما يبدو، فإن الدوافع تتنوع، ويتدرَّج ظهورُها على التوالي؛ تتفق مع العقل أم أنها تتناقض معه .. يهدف كلُّ دافع إلى تحقيق غاية ما. وتُعَدُّ كلُّ غاية في جوهرها فعلاً عقليًّا خطط لها العقل و دبرها و يسعي اليها لذا يتناسب الدافع مع العقل والوعي.

الجنس الإنساني فريد من نوعه، ذلك لأنه يتجاوز الحاجة البيولوجية. وقد اتفق الكثير من العلماء والحكماء على أنه ليس في الإنسان حاجات بيولوجية صِرف.

وهذا هو الخطأ الذي وقع فيه سيجموند فرويد ومدرسته.. فالجنس أساسًا ليس حاجة بيولوجية تنطلق من دافع عضوي.. "وإن كانت حقيقة فسيولوجية"  الإنسان كلاًّ متحدًا، أو كثرة في واحد، فإن كلَّ عاطفة أو شعور أو إحساس فيه إنما يعبِّر عن كل. ففي الجسد الإنساني مراكز وظيفية عديدة تسمَّى "أعضاء". ويقوم كلُّ عضو بواجبه ليعبِّر عن إرادة الكل. فالقلب لا يُعتبَر عضوًا قائمًا بذاته قيامًا مجردًا أو معزولاً؛ والرئتان لا تُعتبَران عضوين قائمين بذاتيهما قيامًا مجردًا؛ والدماغ لا يُعتبَر عضوًا قائمًا بذاته قيامًا معزولاً، والعضو الجنسي–التناسلي لا يُعتبَر عضوًا قائمًا بذاته قيامًا مجردًا. والحق أن "ألكسي كاريل" ألمع إلى هذه الحقيقة في كتابه الممتازالإنسان ذلك المجهول".

أخطأ فرويد مرة أخري لأنه لم يدرك الجنس إلا من الناحية المادية فقط. ويُعتبَر تحليلُه صحيحًا من الوجهة العضوية وحدها؛ فيما يبطل هذا التحليل عندما نعتبر الإنسان كيانًا روحيًّا–ماديًّا. لقد حثَّ فرويد-من حيث يدري أو لا يدري- على تنمية الغريزة وإبطال العقل. وتُعتبَر نظرتُه إلى العلاقة بين الابن وأمِّه (عقدة أوديپ) وبين الابنة وأبيها (عقدة إلكترا) خطأ في الأساس .. مما جعل فرويد يحتقر ذلك الدافع الذي أفقد أوديب و الكترا السيطرة و الوعي .. بل و عمم هذه العُقدة علينا جميعا فإن الدافع الذي احتقره فرويد قد يكون نواة لما هو أعظم و أرقي و أطهر ..

الكترا و أوديب نماذج مشهورة بانحراف جنسي يخالف النسب حيث أحب أوديب أمه و أحبت الكترا أبيها

اذا المنطق و العلم و الفلسفة لا يفصلان بين الجنس المتمثل في سد حاجات العقل و الحب المتمثل في حاجة القلبِ للاضطراب .. و من هنا نبدأ مرة أخري ..

اجتمعت الأديان السماوية و الشرائع الأرضية و حتي الحضارات التي لم تكن تؤمن بإله علي حتمية تقييد الجنس بالزواج .. لايقاف تلك المهانة و الحفاظ علي تلك الحالة من الاتحاد الوجداني بين العقل في الغريزة ..والقلب في الحب ..

 – وبغض النظر عن آاليات الزواج في مجتمعنا العربي التي تحتاج لأطنان من المقالات .. دعونا نتجرد للحظة حول فكرة الجنس في المجتمع - .

ما يحدث الان هو حالة من فصل الربط الفطري بين الجنس و الحب .. ولن اتطرق الي تلك المنحدر الذي تسائل الناس فيه دوما عن أيٍ منهم مسبب للآخر .. و لكني سأسرد لك ما الذي سوف يترتب علي انفصال الجنس كعامل مادي .. بغض النظر عن رأي العلم في ضرورة استيفاء حق الجنس الضائع في مجتمعاتنا العربية نظرا لتأخر سن الزواج و التقاليد المغلوطة عن الزواج .. ولكن حديثي عن تلك الانسانية المنتهكة داخلنا و التي تتشوه يوما تلو الآخر لتفريطنا الدائم في عزة نفس الانسان ..

  • سد حاجات الجنس بشكل مادي بحت بعيدا عن توظيفه داخل حب يلتئم فيه الجانب النفسي و الروحي و المادي يساوي الانسان بالحيوان تماما .. لا اعني الاساءة و لكن هذا حرفيا ما يُميزنا عن الحيوان ، نفسٌ مُروّدة و روح نقية طاهرة تسبح في محيطٍ من السلام النفسي ..
  • سد الحاجة في اضطراب القلب كما أسميه أنا و الحب العاطفي -وليس المطلق- كما تسمونه أنتم يعبث بقوانين المنطقية تماما و يضرب شرخا بين النفس و الجسد .. و يستهلك المشاعر دون الاستغلال الامثل
  • سد الحاجات الجنسية تحت راية الحب خارج اطار البشرية هو هزيمة جديدة في معركة الرقي الروحي ضد المادية ..و تزييف للحب واصطناع و تدليس .. بغض النظر عن الاعتبارات الدينية .. قل لي يا صديقي ما هو كيف تستسيغ أن تلهث وراء شهواتك كل يوم و كل لحظة بطريقة مختلفة ؟ و ما هو انعكاس السعي الدائم وراء اشباع تلك الحيوانية داخلك في ان تجد ضالتك في شئ عكس الفطرة ..

هل تصدق ان الحيوانات تنتقي أزواجا للحياة و انت تسعي لتصبح خارج نطاق الفترة ؟

  • المجتمع المهموم بقضايا الجنس مجتمع عاطل .. عقيم .. فاقد للروح و المعني .. فمتي أصاب أقفال أبواب الانسانية الصدأ بعرقلة المسار الصحيح لضمان حل تلك القضايا ؛ انخرط في تسلق الأسوار و تخطي حدود الكرامة و العزة الفطريتين فيه و اصبح كالكلب يلهث وراء علاقات جنسية غير شريفة و مواد اباحية مٌهينة و تحايل في تقنين شكل آخر للسرقة المُخزية بخطف نظرة هنا و لمسة هناك .. أي اهانة هذه ؟ فذلك المجتمع اللاهث يتدلّي من بين فكيه لُعّابٌ يبعده يوما بعد يوم عن قوام المجتمعات المتحضرة التي تعي أن المجتمع لن يُنتج و لن يعمل و لن يتحرر ولا يتملك ارادة ولا يحتل الريادة في ثقافةٍ أو تعليمٍ وهو "يحك" أطرافه طوال الوقت .. وهذا المجتمع ليس مسكينا و لا بريئا بل هو من جني علي نفسِه بتلك الأقفال الصدأة التي قيدت انسانيته انتصارا لعادات و تقاليد خَرِبة و قميئة و ظالمة .. تُصر علي شيطنة حق المجتمع في الاستقرار بالزواج ومنه سد حاجاته البشرية و اسكات العقل الذي اشتات و القلب الذي اضطرب ..
  • الدين ليس قيدا .. انما هو مجموعة من الاشتراطات و الاحتياطات التي تحفظ لكل منا قدره .. مثل الكُتيب الذي يلازم الآلة الجديدة .. وأي مخالفة لتعليمات الكتيب تٌقسد الآلة و الدين لا يوَدّ أن يشيع فينا الفساد .. فلا تجعل من الدين شماعة و لا عُذر للذنب الأقبح علي الاطلاق
  • نادي الكثير يتطبيع بعض العادات الجنسية .. بحجة انها ليست ضارة و ليست جريمة .. انا متفق .. هيا ليست ضارة و ليست جريمة و لكنها انفصام بين الروح و المادة .. و بما انها عادة فقد لا تفارقك مدي حياتك .. و تسيطر عليك او تستهويك و تقودك .. وما ان سلّمتها الجماح صرت عبدا لها .. و انا لا انقر عليك 1200 حرف لكي أراك تُوصف بالعبودية ..

المقال القادم سوف أخصصه عن "الجنس و عاداته" لأن من الصعب تحييد العادات الجنسية عن الموضوع ان كان حديثنا يخص المجتمعات العربية .. فانتظروني ..

و أقبل النقاشات و الأسئلة و الاضافات و التعديلات و حتي النقد .. علي كل وسائل التواصل الاجتماعي ادناه ..     

معلومات عن الكاتب
Student - Former Account Manager - Former Public Relations Adviser - Creative Writer - Blogger - Co founder at TEDxSmouha
.. عُمر الأسكندراني .. بدرس هندسة في جامعة الاسكندرية .. 23 سنة .. مُحب للتاريخ و علوم النفس و الاجتماع .. مُحب للرياضة و غير مُحب للرياضيات .. عَلماني ليبرالي يساري يميني اسلامي مُتشدد ..و من الناس اللي بتحب تفكر في الدين و بتتفكر في تطبيقه بيحب سورية و أهل سورية و أي حاجة من ريحة سورية متناقض جدا .. هادئ جدا .. عملي جدا جدا جدا