الباب الخلفي للإكتئاب

الباب الخلفي للإكتئاب

 

كتير مننا مر بأوقات صعبة .. قد تكون الأصعب له في حياته .. قد تكون الأصعب علي الإطلاق ..

كنير مننا فقد حد .. فقد حاجة .. معاناة بشكل او بآخر .. و لكن بشكل عام لا يُعد هذا اكتئابا علي الإطلاق .. 

سواء كنت انت مكتئب .. او بتتعامل مع مكتئبين .. فلازم تكون فاهم حقايق معينة عن الاكتئاب ..

الاكتئاب هو مرض عقلي له تبِعات عضوية .. و نفسية .. اسبابه قد تكون مختلفة ، اما وراثية او مُكتسبة بفعل طبيعة النشأة او ناتجة عن مرض عضوي – كالسرطان مثلا – و قطعا هو مش مُعدي .. و هو مراحل و درجات .. منها الجيد و الطبيعي و منها الحاد و منها القاتل ..

حاول الكثير من الفنانيين و الأدباء و المفكرين و حتي الاطباء النفسيين وصفه .. و منهم من جعل من الإكتئاب بطله في مسرحية او رواية و منهم من جسده في فيلم او مسلسل و لكن كل تلك المحاولات لم تتخطي حاجز المحاولات .. مجرد محاولات لوصف ما يُعاني منه المُكتئب حقا .. فمرض الاكتئاب له قدرة فائقة علي التشكُّل و علي التلوُّن فالاكتئاب الذي يصيب شخصا ما مختلف عن الاكتئاب الذي يصيب غيره .. فهو معتمد تمام الاعتماد علي النشأة و الشخصية و طريقة التفكير ..

 

احد تلك المحاولات لوصف الاكتئاب كانت في مذكرات احدهم .. يقول فيها : " اكتئابي هذا كعقل و عينين و آذان اخري .. حواس مختلفة تماما عن البقية .. تري الاشياء التي تؤذيني و تسمع كل ما هو جارح .. اما العقل .. ذلك المايستروا الموهوب ، يتلقي كل تلك المعطيات و يعيد تدويرها عليك بعدد لا نهائي من المرات المختلفة .. وكأنه يستمتع بتعذيبي .. وإن كنت قد سئمت من وصف ما اشعر به لأني لا اعرف .. فقط لا اعرف .. سُلبت كل انواع المواهب و كل القدرات التي يمتلكها الأخرين ولكني علي يقين ان عقلي لديه تلك الموهبة الخارقة في التلذذ بمعاناتي دون ادني سيطرة مني .. و كأنه يلهو بي من الداخل .. و لم يكتفِ ابدا من اللهو "

 

ابدا لا تسأل المُكتئب كيف يشعر ؟ انه اكثر الاسئلة سذاجة علي الاطلاق .. و لا تطلب منه الحديث او ما يسميه البعض " الفضفضة " .. لا تفترض انه ممثل بارع و لا تستخدم فطنتك ابدا في تحديد سبب اكتئابه .. ولا تحاول جاهدا في تغيير تلك الحالة بالطرق العادية .. لا تصطحبه للخارج و لا تطلب منه ان يتوضأ و يصلي ركعتين و لا حتي قراءة القرآن – ولا الانجيل - كاملا قد تُغنيه .. هذا مرض و لابد له من علاج و العلاج قطعا ليس فرضا دينيا او حتي دنيويا .. المُكتئب لا يستطيع ان يُقيّم علاقته بالله لأن جُل ما يسيطر عليه هو حالة من " اللافائدة من اي شيئا علي الاطلاق "

 

من اكثر الأخطاء الشائعة في التعامل مع مريض الاكتئاب هي التعامل مع المرض بالسبب و السببية .. و لا حتي يمكن السيطرة عليه .. اذا كان المُكتئب ذاته لا يستطيع ! كيف ستدخل انت او غيرك داخل تلك الغرفة المظلمة التي تحوي عقله لتُقنع عقله بما لا يستطيع هو – المُكتئب – اقناعه ؟ لا تتوقع ان الحالة في ثبات او في تدهور او حتي في طريقها للعلاج .. فعلميا لا يوجد علاج للاكتئاب .. كل ما يمكن فعله هو محاولة طرد ذلك الوحش من دماغ المريض .. و تخطي كل القلاع الحصينة و الجدران الفلاذية التي تعزل ذلم المسكين عن العالم و تقيده فيها .. كل ما يمكنك فعله هو طرده " مؤقتا " لأنه حتما سيعود .. و العودة تعني انه يزداد خبرة و تمرس لكي لا يُطرد مرة اخري .. حتي يصل الدماغ الي حالة معينة من التكييف مع الاكتئاب و السيطرة عليه .. سيبقي الاكتئاب ، حتما بقاءه خطر و قد ينتكس العقل مرات و مرات .. و لكن كل هذا يعتمد علي عوامل تخص المريض ذاته مع بعض العقاقير و قدرا من الحب.

 

 قد تُصاب بالجنون حين تري صديق اليوم قد افترش الارض و لا يملك من جسده الا حركة عينيه و شهيق مخترق و زفير منطلق .. اليس هذا نفس الشخص الذي لم يستطع السيطرة علي ضحكاته و لم يتوقف للحظة عن القهقهة كالمسكون ؟ ابدا .. انه احد اشهر اعراض الاكتئاب .. فلا تحاول ابدا ان تحكم علي صديقك بالازدواجية فهما شخصين مختلفيين تماما .. او بالادق هما عقلين مختلفين تماما ..

الاكتئاب ليس للعقول الصغيرة .. بل ان ذلك المتلصص يختار ضحاياه بعناية .. تستفذه تلك العقول الذكية المبدعة الحالمة التي تحوي داخلها خيال لا محدود .. مع ادراك يسبق الاوان .. ادراك مُلمْ .. كلما كنت ملازما للواقع و متطلع علي مقادير الحياة تصبح عرضة للاكتئاب و كلما فهمت كيف تحدث الاشياء و فهمت المعطيات المُعقدة التي تنثرها الحياة اليومية زاد الخطر .. و الاخطر علي الاطلاق ان تدرك ذاتك و تدرك حقيقة الأمور و كأنها عارية تماما من المظاهر و القشور و ما تبدو عليه لباقي الناس .. الاكتئاب يفتح لعقلك ابواب اضافية لتكتشف بواطن الأمور التي لن تجعلك تنام الليلة او تنام كل ليلة ولا تريد الاستيقاظ .. ابدا

 

الاكتئاب من اصعب الامراض اللي ممكن تتعامل معاها .. سواء كان اكتئاب بمراحل اولية او اكتئاب حاد .. و ده ليه طريقة للتعامل معاه و ده ليه طريقة تانية .. المشترك بين كل حالات الاكتئاب هو ان الناس عادة بتزوده بنية انهم بيعالجوه .. و خصوصا الاهل اللي معندهمش دراية كافية بماهية الاكتئاب و بيعمل ايه في المسكين اللي بيسيطر عليه .. و مبيقدروش يستوعبوا ان المرض ده ذكي و يمكن اذكي منهم كمان .. لأنه بيقدر يوصل لقدرات عقلية ساحب المرض نفسه مش بيقدر يوصلها من التلاعب .. يسيبك تفرح دقيقة عشان يستفرد بيك يوم كامل .. يديك الامل و يحرقه قدام عينيك .. يحسس بالحب و فجأة يسيبك لوحدك و كأنه مُعذّب متمرس .. الشخصيات اللي بتصاحب الاكتئاب بتخوض معارك كبيرة في سبيل انها تقدر تسيطر عليه و الحقيقة ان من اهم العوامل اللي تخلي مريض الاكتئاب يقدر يسيطر علي اكتئابه و يقدر يطرده مؤقتا من دماغه هو وجود ناس حواليه .. مجرد وجود ناس حواليه ..

مش مطلوب منهم اي حاجة غير انهم يكونوا موجودين .. و حاضرين وقت ما يحس ان بقي لوحده .. يمكن يتكلم معاهم و يمكن لا .. يمكن يشرحلهم هو بيعمل ايه عشان يتغلب علي اكتئابه و يمكن يكتفي انه يقولهم انه كويس و فيه صراع بين كل خلية و خلية في دماغه .. في مطر مع جفاف و شمس مع ضلمة و صحرا مع وديان خضرة .. فيه عدد لا نهائي من الاحاسيس المركبة اللي دخلت في بعضها و الدوشة الغير مسوعة اللي جوا دماغه و زحمة رهيبة بين كل الحاجات اللي ملهاش علاقة ببعضها و تيجي تطلع في كلامه علي انها " انا كويس "

 

متصدقوش .. كل مرة يقولك فيها انه كويس اعرف انه مش كويس .. كل مرة يقولك فيها ان النهاردة احسن من امبارح اعرف ان النهاردة خسر معركة مع اكتئابه .. متتخدعش بابتسامة و متتطمش لما تسمع ضحكته .. بص في عينيه و اسمع نبرة صوته و قوله انت كداب انت عمرك ما كنت كويس .. يا بني يا بنتي يا صاحبي يا مراتي يا ايا كان .. انا عارف انك مش قادر تقول انك مش كويس و مش عايز تحس انك عبء علي نفسك و علي الناس و مش عايز تبان انك بتتكسر حتت قدامي و انا مش قادر اساعدك او اعملك اي حاجة .. قوله اني معرفش انت بتتألم من جواك قد ايه بس انا متأكد انك بتتألم .. قوله كمان انك هتفضل جنبه سواء هو محتاجك او لا، برغبته او لا ، و هتفضل جنبه مش عشان هو مريض انت هتفضل جنبه عشان انت بتحبه سواء كان مريض باكتئاب او لا ..

 

و اخيرا .. اعرف ان اكتر واحد يقدر يعالج اكتئابه هو مريض اكتئاب زيه ..

معلومات عن الكاتب
Student - Former Account Manager - Former Public Relations Adviser - Creative Writer - Blogger - Co founder at TEDxSmouha
.. عُمر الأسكندراني .. بدرس هندسة في جامعة الاسكندرية .. 23 سنة .. مُحب للتاريخ و علوم النفس و الاجتماع .. مُحب للرياضة و غير مُحب للرياضيات .. عَلماني ليبرالي يساري يميني اسلامي مُتشدد ..و من الناس اللي بتحب تفكر في الدين و بتتفكر في تطبيقه بيحب سورية و أهل سورية و أي حاجة من ريحة سورية متناقض جدا .. هادئ جدا .. عملي جدا جدا جدا