الأقرب للحقيقة في " اللي عنده معزة يربطها "

بهذه الكلمات ردّ ولي أمر طالب يُدعى عبد الرحمن على والدة فتاة أخرى تدرس معه في نفس الصف الدراسي على شكوى السيدة أنّ الطفل قام باحتضان و تقبيل الفتاة في الفصل. و جاء ردّ الرجل بعدما هدّدت الأم بضرب الطفل على يد الأخ الأكبر للفتاة، حيث ادّعت الأم انّها ممارسات غير أخلاقية من طفل قد اعتاد على التحرُّش بالفتيات " احنا بنتكلم على ولد صغير يا جماعة " و بالخصوص ابنتها. فقد سبق له ضربها و عضها حتى انتهى بتقبيلها و احتضانها ليُفجِّر غضب الأم التي تنتمي لأسرة ملتزمة دينيًا. و ردّ الأب علي السيدة بأنّ ابنه " حُرّ " وإنّه مكانش حيعمل كده لو كانت البنت " محترمة و مؤدبة " و يتسرّب التسجيل الصوتي على مواقع التواصل الإجتماعي و يُصبح تريند جديد و مادة للسف من قِبَل رُوّاد تلك المواقع. 

ما بين سخرية و انتقاد و رفض و تأييد، مفيش شك إنّ الموقف ده ماهو إلا إنعكاس لمدى تدنّي مستوى الفِكْر و الحوار بين الناس بشكل عام. اللي حصل ده موقف عادي ممكن يحصل بين الأطفال، اللي بالمناسبة مفهوم التعامل معاهم اتغيّر خالص دلوقتي، و كان ممكن يتحل ببساطة لو الأم لجأت إلى المدرسة أو إلى التحدُّث بشكل مباشر إلى ولي أمر الطالب. لكن الأم اختارت أسوأ الطرق باثارة استفزاز أهل الولد عن طريق التحدث إليهم و تهديدهم على " الواتس آب " بضرب إبنهم إلى جانب إختيارها لمُبرِّر عجيب في رفضها لما حدث مُدّعية بأنّها " من أسرة متديِّنة " فهي مُنتقبة و زوجها مُلتحي، و كأنّها تخاطب بشر لادين لهم. و للأسف بادلها والد الطفل بنفس الأسلوب المُتدنّي و ردّ عليها " بأنّ إبنه حُرّ يعمل اللي هو عايزه و انه مبيتهددش و بنتها هي اللي مش محترمة ". لينتهي الموقف بكارثة أكبر بعد تسريب التسجيل الصوتي للطرفين عبر الإنترنت ليبدأ موجة من السخرية بين آلاف المتابعين و أصحاب الحِس الفُكاهي و أصحاب الرؤى المُستنيرة و مُدّعين الإعتدال و أصحاب مذهب " انت مالك " ليبدأ فصل جديد للموضوع اللي اتخذ بُعْد و حجم أكبر و أسوأ بكتير من حجمه الطبيعي. 

أعتقد إنّ المظلوم في النهاية هم الأطفال من الطرفين. التشهير بطفل و الكلام عليه من مرأى و مسمع منه بهذا الأسلوب هو السبب الأساسي في إن أطفالنا بيكبروا و بيكبر معاهم إحساس بالمُقت و الكُره للمجتمع و عائلاتهم للدرجة اللي ممكن توصلهم للإنعزال و رفض التواصل مع مجتمع مُتفنِّن في توزيع التُّهم و إصدار الأحكام و معايرة الناس بأخطائهم. أطفالنا دلوقتي محتاجين إحتواء أكتر، محاولة للتقرُّب و الفهم و الإستيعاب لإحتياجتهم النفسية أعمق.

مع التطور التكنولوجي و تعدُّد وسائل التواصل الإجتماعي للأسف زادت الفجوة بين الأبناء والآباء مبقتش أقل. مينفعش نتعامل بهذا الأسلوب و نتبنّى الفكر العقيم ده في التربية بعدين نرجع نستغرب إنّ " الولد\ البنت طول النهار ماسك\ماسكة التليفون و مابتتكلمش معانا خالص ". المشكلة فينا قبل ما تكون فيهم، قبل ما تُطلُب من إبنك\ بنتك  يسيب " الزفت اللي ف ايده و يتكلم معانا شوية " إتأكد الأول إنّك موفَّر مناخ آمن و مُشجِّع للتواصل و المشاركة.

وبالنّسبة لموضوع الولد و البنت و مهزلة الأهالي دي، الولد ده محتاج تقويم سلوك أكتر ما هو محتاج عقاب. كلام أهله عنُّه بأنُّه حُرّ فيه تشجيع ليه على عدم إحترام حضور الغير و التعامل مع الناس و خاصة البنات على إنّهم " معيز و عايزة تتربط "، وفي نفس الوقت كلام والدة البنت عنُّه بأنُّه مش متربي و سافل برضه حيكون عنده إعتقاد بأنه بني آدم مش كويس، و مع تكرار أفعال زي و سماعه لتعليقات مشابهة مع غياب التوجيه حيكبر على الإعتقاد ده و ساعتها ممكن يسلك اتجاه من الإتنين: يتصرف بهمجية و عدم إحترام و يحاول يأكِّد الانطباع ده عنّه لكل الناس، أو يبقى حسّاس في التعامل مع الجنس الآخر عمومًا و مش عارف حدوده فين و ايه الصح من الغلط، و يفضل دايمًا هاجس انه يتحكم عليه و يتقال نفس الكلام تاني دايمًا موجود و ساعتها حيواجه صعوبة في تكوين أي علاقة من أي نوع مع الجنس الآخر. 

أخيرًا و ليس آخرًا، التربية مواقف و تقويم و متابعة و احتواء قبل ما تكون أكل و شرب و فلوس. و لازم الآباء و الأمهات يستوعبوا إنهم بتصرفاتهم قبل كلامهم و توجيهاتهم بيوجّهوا رسائل غير مباشرة لأبنائهم بتوجيههم لانتهاج سلوكيات معينة مع  مرور الوقت مما يستحيل تعديلها.