مصر التي في خاطري - كيف تصبح أم الدنيا في 50 سنة بدلاً من 5000؟

"مصر أم الدنيا "

مصر ام الدنيا

 

قالها أحد الفلاسفة، مصر أمّ الدنيا بتاريخها، بثقافتها، بهويّتها القبطية العربية الإسلامية، بأزهرها الشريف وقرّائها، بآثارها و أهراماتها و نيلها، بقُطنها و قمحها و "رُزها". مصر أم الدنيا بحاجات كتير، بس حصل تغيُّر بسيط في المقولة.

وتحوّلت وبقت " مصر كانت أم الدنيا "

لو انت من قُرّائي و متابعيني – و ده شئ يدعوني للفخر – هتلاقيني فصّلت قبل كده جزء كبير من الاستطراد ده. بس النهاردة هتكلّم عن مقوّم واحد من مقوّمات " ام الدنيا " اللي فرضتها علينا الظروف و التاريخ و القدر.

أكاد اُجزم أن مصر طول عمرها في دور القيادة ( من 5000 الآف سنة مثلا ) ده شيء كان حتمي. قدر مصر الدائم إنّها تكون "قوّامة" على غيرها ممن حولها و يبصلها كل اللي حواليها بنظرة اعجاب، الدرع و السيف، الجمال، الخير، الأمان.

قال تعالي (( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ)) 

و قال تعالي (( فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ ))

و قال تعالي (( وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ )) صدق الله العظيم

الشاهد أنّ مصر لم تُلقّب بأم الدُّنيا عَبَثًا، مصر من أقدم البلاد على الإطلاق في تاريخ هذا الكوكب. مصر ظلّت مصر طوال سنين عدة، سنين أكثر مما يستطيع أحدهم أن يُحصيها، مصر أقدم من التوراة و الإنجيل و القرآن .. تلك هي مصر.

 لم تنقلب الموازيين كلها، لسّه في ميزان او اتنين باقيين رغمًا عن انفنا و أنوف كل المعترضين و المُشكِّكين و حديثي العهد بالتاريخ و الزاحفين في مهد الحضارة. لقد سبقناكم للحضارة وقتما كُنتم تسكنون الكهوف و الأكواخ . المعادلة انضاف عليها عامل جديد، أو عشان أكون دقيق، عاملين الفلوس و " زُرار " التدمير الذاتي.

الفلوس 

البلاد اللي عندها "رُز" كتير اشترت حضارة جاهزة، اشترت مهندسين ومُعلّمين و دكاترة، جنّست رياضيين، صنعت دنيا خاصة بيها و بقت أمّها و أبوها و كل حاجة. و طبعًا ده مش عيب، البلاد و الشعوب اللي عمرها 50 او 60 سنة – وده في التاريخ تُعتبر بلاد وليدة – من حقّها إنّها تزاحم العالم بالإجتهاد و السعي و حسن التخطيط و التدبير.

البلاد اللّي اشترت أندية رياضية بالكامل و بقى عندها أداة إعلامية من أقوي الأدوات الإعلامية في العالم اللي تعتبر أداة قوة و عامل من عوامل القوامة. و البلاد اللي "سبقوك على الأبواب " بعد ما علّمتهم انت الإتفاقيات بتتعمل إزاي، راحوا عملوا اتفاقيات تعليمية و اقتصادية و سياسية و تحالفات عسكرية و توأمة اجتماعية مع " جواكر" الخريطة .. اعذروا الترّميز في الكتابة .. أنا بحترم عقلية القارئ و بحاول عدم التعمُّق في تفاصيل ممكن تغيّر مزاجه.

المُجمل إنّ البلاد دي بقى عندها تاريخ "مضغوط" بقت بالبجاحة الشرعية المسموح بيها انّها تقدّم نفسها و تبقى أمّ الدُّنيا بالنيابة عنك ( وده حق شرعي ) فلُكل مُجتهدٍ نصيب.

التدمير الذاتي ..

و ده الحاجة الغريبة في الموضوع، إنّك كمان مش بس متوقف زمنيًا و واقف محلّك سر " انت حالف تنزل لتحت ". فاكر معبد ابو سمبل اللي "اتمحّر" ؟ فاكر دقن التمثال اللي اتلزقت بالصمغ ؟ فاكر حاجات كتيرة لو قولتها مش هتكمّل قراية ؟

احنا في خطر أو تخطينا مرحلة الخطر بعد ما فقدنا أمومة الدنيا بجدارة و الدليل إنّي هاخد آخر مقوّم من مقوّمات " أم الدنيا ". مثلًا .. لو اعتبرناه التأثير الثقافي للفن و هعمِّمه بالمقارنة بين زمنين مُختلفين .. و قيس التغيّرات اللي حصلت في كل مقوّم تاني و قولّلي لقيت ايه ؟

طول عُمْر الوطن العربي " مُتيّم " بالسينما المصرية، بيشوف أحمد مظهر و رشدي أباظة و عمر الشريف و غيرهم فُرسان، بيشوف الناصر صلاح الدين و رأفت الهجّان. بيقرا لإحسان عبد القدوس و نجيب محفوظ و بيتابع الندوات الشعرية لشوقي و حافظ إبراهيم ، بيتلذذ برُقي أسلوب فاتن حمامة و نبرة صوت ماجدة. مين يقدر ينسى فيلم جميلة بوحريد؟ بصفة مصر أم الدنيا ( مصر كانت قوّامة في قوميتها، مصر كانت قبلة الوطن العربي في الريادة الثقافية و الفنية ). الفنّان اللّي كان بيزور بلد عربي تاني كان يُعامل معاملة الدبلوماسي. بشكل عام ده ملمح من ملامح الرّيادة في مقوّمات " كيف تصبح أم الدنيا في 5000 سنة ".

دلوقتي

الوضع اتغيّر و بقت العِلّة هي تدهور الذوق العام للجمهور ( قال يعني الجمهور هو اللي بيصرف مليار و 300 مليون سنويًا على مسلسلات رمضان، و هو اللي بينتج أفلام هابطة تعكس الواقع المشوِّه للمجتمع، و هو برضو اللي بيخرج افلام تميل للاباحية تحت مظلة الفن الحُر في بلد مُحافظ ). المُجتمعات اللي حواليك شايفاك بتتقذّم، شايفاك بتهد بإيديك اللّي بنيته في تاريخك كله.

عشان تبقي أمّ الدنيا، لازم يكون عندك المقوّمات اللّي تخليك مهيب وسط المُجتمعات الوليدة. و التاريخ حاليًا لم يعد يعترف بالقوة، لم تنفع القوة ألمانيا في الحرب العالمية التانية ولا أمريكا في فيتنام. العالم الآن يعترف بالسيطرة الثقافية، الزّعامة التّاريخية اللّي أدواتها استقلال مش تبعية ( عِلم مش "فهلوة" .. ثقافة مش "قلة ادب" .. دبلوماسية مش "خضوع" ) كلّ دول يغنو عن الفلوس.

بس لمّا يبقوا موجودين.

معلومات عن الكاتب
Student - Former Account Manager - Former Public Relations Adviser - Creative Writer - Blogger - Co founder at TEDxSmouha
.. عُمر الأسكندراني .. بدرس هندسة في جامعة الاسكندرية .. 23 سنة .. مُحب للتاريخ و علوم النفس و الاجتماع .. مُحب للرياضة و غير مُحب للرياضيات .. عَلماني ليبرالي يساري يميني اسلامي مُتشدد ..و من الناس اللي بتحب تفكر في الدين و بتتفكر في تطبيقه بيحب سورية و أهل سورية و أي حاجة من ريحة سورية متناقض جدا .. هادئ جدا .. عملي جدا جدا جدا