بداية العالم

 بداية العالم

 

كيف أستطاع العالم أن ينتهي بهذه السرعة !! كيف ؟

في البداية لم أستطع تحديد مصدر الصوت، من أين يأتي ؟! توقفتُ قليلًا ومن ثمّ عزِمتُ السير. تتبعتُ مصدر الصوت، صوتًا أثار فضولي، صوتًا لأنفاسٍ مشوبةٍ بالبكاء، أنفاسٍ تنبُع بالحزن و الألم، أنفاسٍ لشخصٍ رُبّما يستغيث، رُبّما يكونُ عالقًا بين السماء و الأرض، بين الموت و النصف موت، و رُبّما تكون تكهُّناتي خاطئة. رُبّما يكون لصًا أراد إيقاعي في فخ، لا أدري الحقيقة. أكملتُ السير وتركتُ شُكوكي خلفي، سرتُ دون أن أضع خطة لمواجهة أيُ شيءٍ قد يحدث، سرت بحثّا عن شيءٍ لا يعنيني ولم أدري حينها ما الذي جعلني فضوليةً لهذا الحد!

كيف لم أخشى؟ انا التي إعتادت التراجع و الخوف، لم أتراجع هذه المرة و سِرتُ نحو المجهول، و اتّبِعتُ قلبي لأوّل مرة.

كانت خطواتي تسبقني، و كأنّها كانت تُحاول إكراهي على أمرٍ صار محتومًا. تابعتُ السير حتّى توقّف الصوتُ و توقّف البُكاء، أجزمتُ حينها بأني قد وقعت أسيرةً لمؤامرةِ ِلص، و حتمًا هو خلفي الآن أو ربما يكون بجانبي، و قد يكون مختبئًا خلف الأشجار، يا الله .. خطة ذكية جدًا ، الظّلام و الأشجار الكثيرة و فتاةٌ غبية مثلي تتبع الأصوات، عناصر المؤامرة مُكتملة.

ملأني الخوف و إزدادت ظُنوني، صِرتُ ألتَفِتُ يمينًا و يسارًا، أنظر هنا و هنا، أحاول التفكير في شيءٍ قد يُخرجني من هنا. نبضات قلبي تسارعت و شُلّ عقلي فلم أستطع إيجاد طريقةً لمُصيبتي، عزمت على الركض، لكني تراجعت وقُلتُ بأنّه حتمًا سيلاحقني. اثناء خوفي، عاد الصوت من جديد، ارتفع البكاء شيئًا فشيئًا، عادت أنفاسي تنتنظم معه، و علمت بأنّ الفيلم الأمريكي الذي رسمته في مخيلتي لن يُجدي نفعًا هنا، لا مؤامرات لا لصوص لا خوف.

عاودت السير و اقتربت، فوجدت المصدر أخيرًا، وجدت رجلًا يجلس على الأرض على الحافة تحديدًا، يجلس في وضع اليوجا في إنتظار السقوط إلى الأسفل. كان ينادي الله رافعًا رأسه لأعلى يصرخ قائلا "يالله كيف أستطاع العالم أن ينتهي ؟ ... كيف؟! "

ظلّ يُردِّدُها و يصرخ، ومن ثَمّ يبكي، يتوقف ويُعاود مُناجاته من جديد. أخَذَ نفسًا عميقًا و كأنّهُ أزاح عِبئًا كاد يقتله، و كأنّه أُحيِيَ من جديد. كنت أقف خلفه أشاهد مايحدث في صمت، تصلّب جسدى و فقدت القدرة في التحكم به، ظلّ جسدى متشبّث بالأرض ولم يرغب في التزحزح، حاولت إحداث أمرًا يُشعِرُني بأنّي مستيقظة و أنّ ما أراه حقيقة و ليس مجرد حلم.

عزمت الإقتراب منه، أردت ملامسته، أردت التخفيف من وطأة قلبه، شعرت نحوه بالأمومة، و إزدادت رغبتي في إحتضانه. تقدّمَت يديَّ نحوَه و تراجَعَتْ سريعًا، انتابني الخوف من جديد، وإكتفيت بمشاهدته هكذا و كأنّي أُشاهد لوحة فنّية عَجِزْتُ عن فكّ طلاسِمُهَا، أو بأنّي أستمع لسيمفونيةٍ من العزفِ الممزوجِ بالخيالِ والواقع. كان شاردًا، لا يدركُ شيئا عن دوران الأرض، ولم يستمع عن سير الحياة. شاردا نحو حزنه و خفوته، لم يشعر بأنفاسي خلفه أو رُبّما تعمّد فعلُ ذلك. لم تعنيني أسبابه، كلُّ ماكان يعنيني أن يبقي هكذا و إلأ أكونُ سببًا في قطع خلوته تلك.

رفع عيناه لأعلى و ابتسم اأخيرًا، معالم وجهه ليست واضحة، بذلت جهدي لكي أرى عينه دون أن يراني هو و فشلت. لم أدرك حينها بأنّ الوقت يمضي دون جدوى، دون أن أراه و يراني، دون أن أُفسِّرَ شعوري بالأمان منذ أن جئت هنا و رأيته. جمعنا الله هنا ولم يحيطني بالشجاعة لكي أستطع مواجهته، لكي أقف أمامه و أسألهُ " أيُّ عالمٍ ذلك الذي ينتهي! " ؟! ومنحه الله الثبات فلم يلتفت ولم يراني، لكنّي كُنتُ علي يقينٍ بأنّي هنا لحكمةٍ ما لم أُدرِكها بعد، رُبّما أكونُ هنا لكي يجدُني حين يُقرِّر الإلتفات لكي أكونَ عونًا له، رُبّما أستطيع إقناعه بأن العالم لم ينتهي و بأنّنا مازلنا هنا، مازال العالم يتنفس رُغْمًا عن أحزاننا. لكي اقولَ لهُ بانّي أصبحتُ اتنفّسُه، و بأنّ فُضولي تحول لأشياءٍ عَجِزْتُ عن تفسيرِها، لكي أضع رأسي على كتِفه و أقول " كيف استطاع العالم أن يبدأ بحبّي لمجهول ".