ورود... من ذكريات العجوز

لمحت سيدة عجوز في الثمانين من عمرها تقف متكِأة علي عصاها في قارعة الطريق تبحث شاردة عن من يساعدها لعبور الشارع والوصول إلى منزلها الصغير، وحين استوقفتني بصوتها الغير مسموع الذي لاحظته لأنني أراقبها من بعيد هممت بسحب يديها في خفة ووضعت ذراعها في ذراع وكأنها صديقتي منذ زمن بعيد.... لم أفهمني في هذه اللحظة، فقط دفعني شعوري لمساعدتها.

ملامحها لمست روحي، فيها شجن مليء بضحكات الأطفال وجسدها صغير الحجم يتمايل كورقة متناثرة على الأرض، فالهواء يأتي بها يميناً ويساراً ممسكة بعصا حين حملتها وجدتها كالريشة تتمايل معها هي الاَخرى.

اصطحبتها وظلت تدعو لي بأن يسلمني الله شر الطريق، ولكني وجهت الدعوات إلى دعوات اَخري أحتاجها في هذا الوقت العصيب من حياتي، أخذت أسألها عن مكان منزلها ووجهتها ولكن بدهاء شديد لمتجبِني!!

لكنها قصت عليّ قصتها فهي تسكن بعيداً عن المسجد وتتحامل على نفسها لتأتي للصلاة يومياً، وأخذت تحكي عن زوجها الراحل الذي كان من أبطال حرب أكتوبر 1973 وكيف كان رغم عدم تواجده إلا أنه كان يأتي لها في الحلم يومياً يجلب لها الورود ويتنزهان معاً، وكيف أنه كان كالحِلم الجميل في حياتها فهو الذي كان يراعيها حين يكون بجانبها ويُدللها.

كانت تشعر بالقلق حين غادرها اَخر مرة وكانت الحرب هي التي تقضي على الأحبة، حينها قالت له: "لا ترحل لاتتركني"، ولكنه أصر كعادته... فقد رحل.

رحل هذه المرة دون رجعة، حتى في أحلامها فلم يظهر في مرة أخرى ولم يتنزهان معاً أو يجلب لها الورود، هكذا قالت لي العجوز بعينيها الدامعتين: "أليست الحياه قاسيه يا ابنتي؟!"

لم أجب وكادت دموعي تنهمر رغم وجودي معها في الشارع ولكني تماسكت، فهي لا تعلم إنني رغم صغر سني إلا أنني أعلم كم الحياة مؤلمة حقاً….

الألم والحياة وجهان لعملة واحدة يا سيدتي العجوز.

 

معلومات عن الكاتب
طالبه بقسم إعلام في جامعه الإسكندريه , لدي شغف كبير بالكتابه و الاعلام و الاتصال الجماهيري بشكل عام . حصلت علي مركز جمهوري كمراسل تلفزيوني , وحصلت أيضا علي مركز خامس علي مستوي جامعه الإسكندريه كمراسل تلفزيوني . من الأوائل علي دفعتي , شاركت في العديد من المسابقات منها المراسل التلفزيوني والتأليف المسرحي علي مستوي الجمهوريه في العديد من المحافظات تمثيلا لجامعتي , عملت كمحرره صحفيه في عده مواقع منها موقع أنباء الاسكندريه المصوره وموقع العاصمه الثانيه , وأملي أن أنال إعجابكم .