صديقي طعام يحتويني !

صديقي طعام يحتويني !

 

لسعة خفيفة من المقلاة بينما يرفعها عن الموقد

هي علامة العهد التي بينه و بينها، لغة التواصل بين معدته الفارغة باستمرار، و إن امتلأت بألوان الطعام، و بين أدواته التي تحمل الكنوز المُحبّبة إلى قلبه؛ صدور الدجاج المُحمَّرة مع رقائق البطاطا الشهية.

كل يوم يتعجل ساعات الطهي التي يبدأ بها يومه لأنه لا يستطيع مع جوعه صبرًا متى طرق قعر معدته، و لأنّه يشتاق بشكل يدعو للسخرية إلى طعامه و مائدته، في هُوجة مسعورة يعد الطعام باندفاع أحمق يتسبب دائمًا في إصابته بحروق بعضها خفيف و بعضها غائر يترك ندوب، كثيرًا ما تأذت أصابعه الطويلة أثناء التقطيع و التقشير فتنال هي الأخرى من حدة السكين جانب.

كل هذا لم يُشكِّل أيّ غضاضة في قلبه تجاه الطبخ، لم يوقفه أبدًا عن التعامل مع الأدوات على أنّها أشخاص يحبها و يتواصل معها، لم يثنيه عن حبه المتعاظم للطعام، كنت دائمًا أسمعه يحدث الطواجن و الصحون و يدعو الأكواب بأسماء!

التقطته يومًا يحاور سمكة مشوية بينما يذيل طبقات الردة منها بحرفية و مزاج يضاهي في مهارته عازف بيانو مُتمرِّس! سألْتُه يومًا "يا أدهم، ألا ترى أنك غريب الأطوار بعض الشيء؟" راعني التفاجُؤ الواضح في ملامحه و هو يستنكر قائلًا "كيف هذا؟"

"أنت تتحدّث إلى طعامك كما يتحدّث عاشق ولهان إلى حبيبته، و تتناوله بشهوة كبيرة! كما أنّك تقريبًا لا تخرج من مطبخك و إذا فعلت، يكون في يديك كوب فارغ أو مقلاة أو قصاصة بالية مُكدّسة بوصفات جديدة! أخشى أن يصيبك هوس أو أن تصبح في عدّاد المخبولين"

أنصت أدهم إليّ باهتمام و على شفتيه ابتسامة ذابلة، بينما يعالج تلك اللسعة الخفيفة تحت الماء البارد ثم التفت إليّ قائلًا في نبرة ساخرة لا تخلو من ألم: أنت على حق! ثم اتجه إلى صدوره المحمّرة و أخرجها الواحدة تلو الأخرى في طبق زجاجي مفروش بعيدان الخضرة الطيبة.

"أصبت في وصفك الدقيق لي، و لكن يا عزيزي لم تسأل أبدًا لما، و قبل أن تسأل دعني أخبرك أنّ خارج مطبخي، بل خارج البيت بجملته ليس أفضل حالًا، ليس هناك ما يدعو للخروج....

قاطعته مجادلًا "هناك آخرون يتحدّثون و يبتسمون و يتفاعلون كما ينبغي أن تكون الحياة و التلاقي الإجتماعي السليم. لا يمكن للدجاجة يا أدهم مهما انتفخ لحمها و تقطِّر بالدسم أن تتحدّث إليك ! لن تقفز الأكواب من مصفاتك و تجلس إليك تبتسم في وجهك أو تخرج في نزهة معك! "

نحّى المقلاة جانبًا و أسند مرفقيه إلى الطاولة و دون أن يرفع عيناه عن الطبق المُجهَّز، قال في اكتئاب "و أيضًا لن ترحل تلك الدجاجة عنك و تفر من الطبق لأنّها سئِمَت الحياة معك! لن تعبس الملاعق في وجهك و تركلك السكاكين في ساقك لأنها غاضبة منك، لن يمل الخبز من كونه خبز فوق مائدتك! لن ترحل البطاطا لأنّك تأخرت اليوم و تركتها تبرد، لن تؤذيك الأسماك لأنّ مصلحتها فوق مصلحتك لن تخونك الجبنة و قِطَع البسكويت و تتركك وحيدًا،

البشر بفعلون هذا يا صديقي، يتغيرون و يتلوّنون،
البشر الذين تدعوني لمرافقتهم يملّون سريعًا، يغضبون كثيرًا و يثأرون لكرامتهم و حقوقهم التي يتوهمون أنًها مُهدَرة، ليسوا بسطاء و لا أنقياء و القليليون الذين يتمتّعون بنفسيات و شخصيات سوية تُقصيهم الحياة في مناحي شتّى. 

و أنا كما ترى سريع التعلّق بالأشياء فكيف بالأشخاص؟ تأذّيت كثيرًا و لم أعد أتوسّم في أبناء جنسي راحة، و بعد الله الذي يُشبِعني بما أحتاج، صادقت الطعام لأنّ إخلاصه لا يتغيّر كما أنّ مذاقه رائع في كل مرة!

نظرت مشدودًا له لا أدري ماذا أقول و تركته يمضغ طعامه على مهل و يبتلع خيباته في صمت، و حالما أنهى طعامه تبدّل حاله و عادت إلى وجهه ابتسامته الطفولية و دبّ النشاط فيه و قال بصوت جهوري "أتريد أن تشاهد فيلمًا ؟"

"ماذا لديك"

"فأر طباخ يتسلل إلى مطعم و تبدأ الإثارة" رأيت في عينيه حماسة قلما أجدها فيمن حولي، فتنهدت و ابتسمت له !

معلومات عن الكاتب
Pharmacist
Pharmacist ... Freelancer Writer Adore Art, Fiction and all what links to nature !