ايقاع تائه في رواق المكتب

ايقاع تائه في رواق المكتب

 

أعلن البندول الضخم المعلق فوق مكتبها المختفي وسط أكوام الملفات، انتهاء يوم عمل آخر وقد دق مشيراً الى الثامنة مساءاً، أمام باب حجرة المكتب، يمتد دهليز خشبي الأرضية يصدر أزيزاً مع كل خطوة تخطوها بحذاءها ذو الكعب العالي، و يتنهي بدرج متهالك تماماً كبقية المكان حيث تعمل بدوام كامل من السابعة صباحاً حتى الثامنة مساءاً.

هبّت فريدة واقفة لدى سماعها دقات البندول و قد خرج زفيرها نافذ الصبر كما لو أنها تخلصت من قيد يضغط عنقها، و شرعت تلملم أشيائها المبعثرة في أرجاء الغرفة و هي تصدر همهمات قصيرة محدثة نفسها، أخيراً وقت الفرار من قيد المكتب.. أخيراً نسمات حياة خارج إطار العمل الذي يقتل كل يوم جزءاً منها و يترك مكانه ملفاً عملاقاً ملئ بالأرقام، حتى شعرت أنها يوماً ما ستصبح بكليتها مجرد صفحة محشورة في أحد دواليب هذا المكتب المكدس بالدفاتر !

برشاقة إرتدت حذاءها الذي تتركه على عتبة الباب و تتجول بقدمين حافيتين طوال الوقت، فكم تكره التقيد بكل هذا التصنع حتى في زي العمل. التقطت حقيبة يدها و قد دست فيها ماكيت الجيتار المصغر الذي تعشقه ثم نظرت بعين آسفة الى المكتب و أغلقت الباب بعنف، و انطلقت ترسم بكعبيّ حذاءها إيقاع موسيقي بسيط التكوين على الأرضية التي تئز تحتها و هي تدور وتضحك في خفة.

إن تلك اللحظات القليلة جداً، حين تسمع دقات البندول و أزيز الخشب بينما تتحرك في رشاقة، هي اللخظات الأسعد في يومها، هي العزاء الوحيد لوجودها في هذا المكان، لأنها ببساطة تطلق العنان لكل الموسيقى التي بداخل رأسها.

لقد عشقت فريدة الموسيقى دائماً و أرادت ملئ قدرتها أن تتعلمها و رغم أنها تعمل في مجال بعيد تماماً عن الفن إلا إنها تُبقي في داخلها ذلك الشغف نائماً طوال ساعات العمل ثم توقظه عند ذلك المبنى الرائع الذي تقدسه، هناك حيث يولد من رحم الفن عالم تدب فيه الحياة على إيقاع النغم، عالم ملئ بالجمال و الإبداع. في دار الأوبرا الذي يبعد عن مكتبها بضعة أمتار حيث تجر قدميها إليه في كل مساء بعد أن تنهي عملها، يكفيها أن تقف في مواجهته متأملة و متشربة كل علامات العظمة و الفن في تفاصيله، سارحة في صدى الموسيقى الخارج من قاعاته.

تعودت أن تقف بمحاذاة الباب الرئيسي تُرهف السمع قدر استطاعتها و تتحدث بصوت مكتوم إلى النغم المتناثر في الهواء حولها، كما ساعدها خيالها الغني على تركيب بعض المقطوعات القصيرة فتدندنها بينما تحرك أصابعها في الهواء متماشية مع الإيقاع، كم تعشق الحياة الخارجة من جوف الآلات الصماء ! تفهم المعاني الساحرة التي تنطق بها النغمات..

لماذا لا أشارك في هذه السمفونية؟" لماذا لا أنول سوى الوقوف على الباب بدلاً من الوقوف على خشبة المسرح أؤدي عزفاً إبداعياً يسلب الأنفاس و يبهر الحضور؟

 تظل فريدة سجينة هذا السؤال الذي ينهش عقلها المرهق كل يوم و تأتيها الإجابة من عمق ذاكرتها، حين كانت في الحادية عشر من عمرها و اعتادت تأنيب والدتها لها إذ تعنفها مستنكرة عدم تركيزها في صفوفها المدرسية و توجهها الدائم إلى حجرة الموسيقى بالمدرسة فهبطت علاماتها و خشيت والدتها أن ترسب فكثيراً ما انتهرتها قائلة

بماذا يفيدك العزف على أوتار مشدودة إلى هيكل خشبي بينما أوتار حياتك مرتخية بالكاد تصدر همساً؟ .. الموسيقى لا تبني حياة

فكانت فريدة تبتلع ذلك كله و تدفع أحلامها جانباً و تحاول قدر طاقتها أن تتأقلم مع تلك الحياة النمطية القاتلة من وجهة نظرها. و بعد التخرج رأت أن تنضم إلى بعض الهواة الذين ينظمون برامج تعليمية للمبتدئين و أرادت أن تبدأ في تحقيق حلمها، إلا أن تلك الفكرة هوجمت بشدة من والديها و رفضا النقاش فيها أصلاً، تعللت والدتها بأن هذه أحلام شبابية تافهة من شأنها أن تضيع فرص حياة حقيقية و عملية.

أضاعت فريدة فرصة أخيرة قد ظنتها سبيلاً للوصول إلى الحياة التي تتمناها فاستسلمت و التحقت بالعمل في إحدى الشركات و أراد القدر أن يربت قلبها المكسور و يطيب خاطرها فشاء أن يكون مكتبها بالقرب من دار الأوبرا و منذ اليوم الأول، وجدت الوقف في مدخلها، ملاذاً لها تهرب إليه كلما ضاقت بها الحياة، كلما اشتدت قبضة الرتمية الكئيبة التي تخنق روحها، و كلما لاح في سماء خيالها بريق أملٍ، من يدري، ربما يوماً ما ترشدها الموسيقى التي تُبقيها حية بعد، إلى بابٍ آخر لم يخطر في قلبها أن تحاول فتحه، ربما يحن القدر متى رأي تمسكها بما تمنت، و إلى حين تصحو أحلامها على إشارات النغم ستبقى فريدة منصتة لها و ستواظب على الوقوف بالقرب منها متى دقت الساعة الثامنة مساءاً.

معلومات عن الكاتب
Pharmacist
Pharmacist ... Freelancer Writer Adore Art, Fiction and all what links to nature !