فستانها الأبيض الطويل

فستانها الأبيض الطويل

 

بينَ حصارِ عكّازيهِ كان مواصلًا السيرَ لعملِهِ، يجرُ خلفَه انكساراتِ أعوامِه الثلاثين. كان اليأسُ متربّعًا على وجهِهِ وهو يلمحُ الفتورَ المستتر بقناع ٍمن الشفقة على وجوهِ قائدي السيارات الذين توقفوا ليعبرَ الطريق. ربما بالغَ في البطءِ متعمدًا علَّه يظفر بنفاذِ صبرِ أحدِهِم فيتخلّى عن زيفِهِ ويطلق لسانَهُ نحوه بالسبِ والشتائم، قدْ يشعرُ وقتَها بأنَّه ليس ناقصًا أو عاجزًا .

"العجز ..عامٌ كاملٌ لم يستطع فيه معاشرة زوجتِهِ، جرَّب كلَ أنواع ِ المنشطاتِ الجنسية دونَ جدوى. حتى المخدّرات لم تفلحْ في أن تجعلَه يرى في زوجتِهِ غيرَ شبح عويضة غفير عمدتِهِم في الصعيد، قبل أن ينتقلَ مع أسرتِهِ إلى القاهرة ."

كلمات أبيه تدوِّي في رأسِهِ: 

" يا بني أنت كبرت ، وأمك مبقتش قادرة على خدمتنا، لازم تتجوز. هنشوفلك بنت غلبانة، تخدمك وتريّح أمك "

لم ينتظر أبوه منه جوابًا، سافرَ من فورِهِ إلى الصعيد ليبحثَ عن العروسِ المنشودة في حينِ لم يجدْ هو للصمتِ بديلًا. تاهت الكلماتُ في الوصولِ إلى شفتيه حين أراد أن يخبر أباه  بتعلقِهِ بهالة زميلته في العمل، التي تستمتع بحديثِهِ عن الأدب والشعر وتشاركه المناقشاتِ دون ملل، تتبادل معهُ دواوين دنقل ومطر. وتخبرُهُ بأنها تتمنّى أن    يعشقَها رجلًا  مثل نزار، يقدّس الحبَ ويجعل من النساءِ أميراتٍ على عروشِ الرجال. كم مرةٍ كاد أن يهتفَ بها " أنا أعشقُكِ أكثرَ من نزار ".

لكن كعادتِهِ آثرَ الصمتَ خشيةَ أن يغتالَ رفضُها أحلامَه، كما اعتادت كلمات زملائِهِ  أن تفعل. 

" مش عشان بتسمعك وتتكلم معاك كلمتين يبقى بتحبك، متزعلش مننا أنت ليك ظروف خاصة وهي مش ناقصها حاجة شوف لك واحدة تناسبك "

يرصدون عاهَتَه الجسدية وينكرون على أنفسهم عاهاتِهِم الفكرية، تمامًا مثل أبيه الذي عاد بعد أسبوعٍ من البحثِ والتنقيب ساحبًا خلفَه رجلًا بدا من قدميه الملطختين بالطين، وجلبابِه المتسخ، والبلاهةِ المطلةِ من ملامحه، بأنه قد جُرَّ لتوه من الغيطِ دون أن يدري لماذا أو إلى أين ؟!!

التفت إليه أبوه قائلًا : " سلّم على عمك وعلى عروستك " كان مدركًا أن ذلك الرجل الذي جاء متعثرًا خلفَ عباءة أبيه هو أبوها، ولكن أين هي تلك العروس المنتظرة ؟! انتبه فجأة ً لذلك الكائنِ العجيب الذي وقف َملتصقًا بالبابِ، مطلقًا  عينيه الضيقتين تدور في أركانِ البيتِ مقتحمةً تفاصيلِهِ دون استئذان. نفذَ الخوفُ لقلبِهِ وهو يتساءل صامتًا :

"!!! هي دي العروسة ؟"

كانت أشبه بخطٍ رفيعِ ضائعٍ بين طيات ثوبٍ كاحلٍ، ومع ذلك  فهي لا تخلو من ضخامةٍ ملحوظةٍ. الضيق الذي حلَّ به جعله لا يدركُ من ملامحِهَا سوى عينيها التي تخترقه وتجعله يزداد انكماشًا وصمتًا.

تمّت كل الإجراءات بسرعةٍ، وبات مجبرًا على قبولِ ذلك الحائطِ الجديد الذي أُضيفَ عنوةً إلى غرفتِهِ والذي يُجثم على صدرِهِ يومًا بعد يوم. تتجدد محاولاتُهُ للهروبِ منها ومن عجزِهِ، فيقضي نهارَهُ هائمًا على وجهِهِ دون هدى ويهرُب بأحلامِهِ في الليل بين دفتي حافظ وشوقي في حين تحرقه نظراتها في صمت ايضًا.

لم يكتفوا باغتيالِ أحلامِهِ، حتّى غرفتَهُ التي كانت ملاذَهُ الوحيد من عالمِهِم المقيت سلبوه إياها. جدرانُها العارية من الطلاءِ كانت مغطاة بنقوشٍ لا يعرف قصتَهَا إلا أنامِله، وتشهد نافذتُها  الصغيرةُ على أن له أجنحةً حلَّق بها حولَ القمر ورقص مع هالة بساقٍ معافاة على أنغامٍ فيروز. كلّ ركنٍ فيها كان أذنًا صاغية له وهو يُفصح عن رغباتِه ويُعلن عن غضبِهِ ويحطٍّم حواجزَ عجزِهِ وصمتِهِ.

أفاقَ من أفكارِهِ على صوتٍ رقراق يعرفه جيدًا: " مفيش فايدة ، لو مجتش متأخر يبقى في حاجة غلط"

انتبه لتوِهِ أنه وصلَ إلى عملِهِ في تلك المصلحةِ الحكوميةِ الرتيبة، وها هي هالة تقابِلَه كعادتِها بصفاءِ عينيها وخفةِ روحِها وقبل أن تنفرجَ شفتاه تحييها عاجلته بابتسامتِها وهي تناولَه مظروفًا ورقيًا أنيقًا :

  " عموما كويس إني لحقتك  قبل ما آخد الأجازة ، أنا هتجوز ،  دي دعوة الفرح  أوعى متجيش ، هزعل منك "

ابتعدتْ ورحلتْ معها الكلماتُ بلا رجعة.

جلس بين المدعوّين في الحفل محاولاً كتم أنفاسِهِ المتهدجة وكبح ارتباكِ ملامحَهُ وبينما يلومُ نفسَهُ بشدةٍ على تلبيةِ دعوتِها، تدخل هالة بوجِهها الوضَّاء قاعةِ الحفل تزينه ابتسامتِها العذْبة، تنساب خطواتُها الناعمة رويدًا رويدًا حتى لا يتعثر زوجُها الكفيفُ في طرفِ فستانها الأبيضِ الطويل.

معلومات عن الكاتب
كاتبة
رضيتُ منَ الدنيا بما لا أودُّهُ وَأَيُّ امْرِىء ٍ يَقْوَى عَلى الدَّهْر زَنْدُهُ؟ أُحاوِلُ وَصْلاً والصُّدُودُ خَصِيمُهُ وَأَبْغِي وَفَاءً والطَّبِيعة ُ ضِدُّهُ حسبتُ الهوى سهلاً ، ولم أدرِ أنهُ أَخُو غَدَرَاتٍ يَتْبَعُ الْهَزْلَ جِدُّهُ " البارودي "