في منزلي وردة

جحيمٌ تُحاربُه الورود
 
- انظر لهذا الأحمق
- ما الذي يفعله؟
- إنّه يصعد على السور! ما هذا الذي في يده؟
- أيُحدِّث نفسه؟
- بالتأكيد ما المانع، لا يوجد مكان أفضل من حافةِ سورٍ يُلامِسُ عَنَانَ السماءِ لتحظى بمحادثة وديةٍ مع نفسٍك.
 
- لماذا توقّف؟
- انتهى الحديث على ما أظن ...
- يبدو أنّه سيقفز!
- اطلبوا النجدة، هنالك شابٌ مجنون على وشك الإنتحار.
 
***************
يومٌ جديد، وضوءٌ جديد يصل لنا من الشمس الآن أو رُبّما قديم، أتعرف أنّ بعض جزيئات الضوء قد تستغرق وقتًا أطول من حياتك المملة لتتحرك من باطن الشمس إلى سطحها؟
وقد تبقى سجينة الشمس إلى الأبد؟!
 
يحتفل على وجهك ملايين الأضواء الصغيرة التي استطاعت الهرب، ياله من إنجاز استطعن تحقيقه.. وأنت!
تهرُب منهم لتحتمي بظلال أرواحهم الحُرّة.
غبيٌّ كما عَهِدتُّك.

على أيّ حال .. يجب عليك الذهاب إلى العمل، أراك في المساء.
 

***************

لم يلحظ وجودي كعادته، أقف هنا كل يوم في نفس الساعة ليُخطئ ويقول صباح الخير، من أنتِ؟ كم الساعة الآن؟، أيّ شيء غير هذا الصمت، لا أعتقد أنّني رأيتُ فمه يتحرك أبدًا، لا أسمع صوته إلّا عندما يتحدث مع المرآة خلف بابه كما فعل هذا الصباح أو مع أحد النباتات البلاستيكية التي تملأ منزله، في كل جانب وعلى كل حائط، تتدلى من الأعلى وتُداهم أقدامك من الأسفل، تُزيِّنُ كلَّ شيء في بعض الأحيان حتّى قد تزين بعضها بعضًا!

ترك مفتاح منزله يومًا لدى حارس العمارة، ليقف مع بعض العُمّال لإصلاح شيء ما، لايهم، في ذلك اليوم ظهرت بعض المهام الطارئة فطلب مني الحارس الوقوف معهم حتى يعود
- قبلت سعيدة.
 
منزل هادئ، كلُّ شيءٍ في موضعه، أو دعني أقول خُلِق مكان لكل شيء! 
غريبٌ حقاً! على يمينك طاولة طعام مثلثة الشكل، تتوسط الغرفة منضدة صغيرة عليها أجهزة تحكُّم ومِنْفَضَةُ سجائر، أمامها أريكة يتيمة يتدلّى على الحائط ورائها نباتات بلاستيكية يقابلهما تلفاز قديم على طاولة خشبية، تجاورهما النباتات والأزهار والورود البلاستيكية من الجانبيين.

فوق التلفاز لوحة كُتِبَ عليها :
أنْ تكوني في حياتي المقْبِلَة 
نجمةً .. تلكَ المشكِلَهْ
أنْ تكوني كلَّ شيّْ ..
أو تُضيِّعي كلَّ شيّْ .. 
 يا إلهي، أعشق هذه القصيدة. وأخيرًا سجادة تحتضن كل هذا، يقابل باب المنزل شُرفَةٌ أبوابها من زجاج مُلوّن تملؤها النباتات والورود البلاستيكية أيضًا! وكرسي.
وغرفة النوم، سرير ودولاب ونافذة كبيرة تحاوطها أشباه النباتات من كل جانب!
يمكنني أن أصف لك المنزل كله ولكن كل ما سأقوله نباتات بلاستيكية ورود بلاستيكية!.
 
  الغريب كما قلت أنّه رجل، ووحيد، وبالرغم من ذلك لن تجد بعض الملابس في غرفة المعيشة على الأريكة أو أطباق طعام لم تغسل في الحوض أو رماد سجائر على السجادة، كل شيء مثالي، مثالية تقول أنّ الرجل لا يشعر بالإنتماء للمكان.

كيف هذا ؟
حسنًا عندما تشعر بالإنتماء لمكانٍ ما، ستقدِّم لهُ الماء في كأس الجبن لا في كأسٍ جديدة لم تشرب منها قط، ستجلسان على الأريكة ليكتشف أنّ هاتفك في جيب بنطالك تحته يرن، وكل هذه الأمور التي تقول أنا انتمي لهذا المكان ستجدني في كل جانب.
 
وعلى نقيض هذا الشعور، كل هذه النباتات الخالدة، لماذا تمتلك هذا الكمّ من المزيفات، أتحبها؟ أتريح عينيك؟ أم تُراها تؤنس وحدتك؟ أتُشعرُك بأنّك قادر على العطاء والإهتمام؟
وكيف لها أن تكون أي شيء وهي بلا روح، وكيف لأي شيء تقوم به أن يكون ذا معنى؟ أمام دائم ميت!
غريب ولكن.. أحبه.

***************

انتهى دوام العمل أخيرًا، وقت العودة، ها أنت ذا كيف حالك يا صديقي؟ وكيف حال الآخرين؟ لم أرهم منذ مدة، اشتقت اليهم، لدي الكثير لأقوله، أعرف أنّك تعلم كل شيء ولكن كما تعرف لو قلت لك نفس الكلمة كل يوم لكانت قصة جديدة أقولها اليوم بسعادة، غداً بألم، وبعد غدٍ بحنين واشتياق ليس لي تحت سماء هذا المكان من يعرفني غيركم.
 
علي أن أذهب الآن، نعم نعم سأذهب لأشتري وردة بلاستيكية جديدة. أعلم أن لدي الكثير ولكن امتلاكها يشعرني بشيء من الوجود، لا أعرف كيف أصف لك الأمر، عليك أن تكتشف ذلك وحدك.
اليوم يصادف ذكرى ميلادها، لن أحتفل هذه المرة، أو رُبّما سأحتفل في مكان عام، أثمل وأخبر أي شخص بأي شيء مما كان، لا أريد امتلاك هذا الشعور وحدي سأفرّقه على الجميع، من أعرف ومن لا أعرف، ليأخذ كل عابر مما في قلبي، لتفتح أبواب المناطق المحرمة، ولتدنس حرمتها أقدام الجميع، اصابعهم وأنفاسهم الكريهة، لا يهم، انتهى الأمر على أي حال، ما فائدة الإحتفاظ بكل هذا لنفسي.
 
أرأيت تلك الفتاة أمام الباب صباح اليوم؟
فتاة جميلة، جميلة كأي شيء جميل ربما، حسنا هي أجمل قليلًا من كل شيء، هل تعيش في الردهة أم ماذا؟!
تعجبني ابتسامتها، تجلب بعض الدفء إلى المكان، كأي إبتسامة جميلة.. ربما.

***************

سأشتري هذه هنا نعم، أحب اللون البنفسجي، ستجلب الحياة إلى منزله أنا متأكدة.
 
صباح الخير، هذه الوردة لك، لالا...
تفضل بمناسبة اليوم العالمي للورود، الذي مر عليه ثلاثة أشهر!!... غبية
ربما: رأيت أن منزلك يخلو من أي شيء حي غيرك، إن كنت حيًّا ههههههه... ما هذا!!
 
حسنًا حسنًا سأتركها أمام المنزل فقط، مع بطاقة صغيرة تقول " أحبك " وكأن الوردة من تقولها، هذا جيد بعض الشيء إلا لو لم يفهم المزحة!
سيكون هذا كارثيًا.
 
*************
 
صباح الخير، أخبري صديقك أنني خلدت للنوم عندما عدت ولم تتسنى لي الفرصة لتوديعه، أو سأخبره أنا هذا المساء إن لم تؤخره الرياح والسحب.
 
ستتأخر مجددًا إن لم تخرج الأن.
 
حسنا ما هذا؟ من وضع هذه هنا، "أحبك"؟
شكرا لك عزيزتي، أتودين احتساء كوب من القهوة؟ أو من الماء نظرًا لكونك وردة؟
هذا رائع لندخل إذًا.
ماذا؟ سأتاخر عن العمل؟ لا تقلقي، لاأشعر بالرغبة في العمل اليوم على أي حال، تفضلي.
 
هذا يكفي لقد فقدت عقلي، أتكلم مع وردة
لا أقصد اهانتك سيدتي ولكن.. يا إلهي ما زلت أكلمها!
سأضعك هنا في منتصف الغرفة، هذا جيد دعيني فقط أبعد منفضة السجائر.. توقف عن هذا!
إلى اللقــ ...! اللعنة.
 
***************
 
- سنجتمع اليوم لإنهاء بعض الأعمال المعلقة، ماجد، هل تمانع لو التقينا في منزلك هذا المساء؟ سنكون بالجوار على أي حال.
- ... حسنًا لا بأس.
 
- إذًا يا ماجد، أتعيش وحدك هنا؟
- نعم كما ترى.
- دعونا ننتهي حتى يتوقف ذلك الأحمق في المكتب عن ازعاجنا.
- ماذا حدث في مشكلة العميل الروسي؟
- لم يعجبه التصميم، يقول أنه مبتذل أو بلا روح او شيء من هذا الهراء.
- ماجد، ما رأيـ...، ماذا تفعل!!
- ماذا! أشعل سيجارة.
- نعم أرى هذا! بين كل هذه النباتات! أتعذبها أم ماذا!
- لا تقلق إنها بلاستيكية.
- هذه تبدو حقيقية لي.
- ماذا؟... نعم نعم، وجدتها أمام الباب من أسبوع.
- أراهن أنك لم تجدها على هذه الحالة، أطفيء هذه الآن، وأحضر لي بعض الماء اكاد أقسم أنّي أسمعها تصرخ من العطش.
 هذا جيد، الآن اخبرني ما قولك في هذه المشكلة.
- أعتقد أّن عليه القبول بما نقدمه له، لا أعرف ماذا يريد في البيت غير ذلك، مساحة واسعة وتصميم جميل وسعر مناسب، إن لم يعجبه عليه العودة من حيث أتى.
- يريد أن يشعر بأنّه في وطنه، من منّا لا يريد ذلك؟
- ليذهب إلى وطنه إذا كما قلت.
- ربما لا يستطيع، ترفضنا أوطاننا أحيانًا يا عزيزي، تجبرنا على الرحيل، ومع ذلك، تحتفظ بكل ما يجعلك أنت، كل تلك التفاصيل الصغيره التي تميزك، وترميك في هذا العالم الواسع وحدك، وحدك دونك يا صديقي.
- عمّ ماذا تتحدث؟ ما شأن العالم بمشكلة الرجل الآن؟
أنا لا أهتم بما يريد، لا أهتم برغبته في جعل المكان كما يحب، أيريد أن يكون منزله الوحيد في الحي ذي الألوان المختلفة والتصميم الفريد؟ ليكن كالجميع، ما فائدة الإختلاف! حتى لو اختلف، سيقابل بالرفض والحقد ممن حوله، السعاده المزيفة لرؤية صاحب المنزل الجميل، الإبتسامات الكاذبة، نفاق وخداع وحقد وكذب ! سيدمره هذا في مرحلة ما تأكد مما أقول.
- اهدأ يا رجل ما بك !
ولماذا لا تسعد من أجله؟ كن أنت من يقابله بابتسامة صادقة، كن أنت التغيير الذي تريده في العالم كما يقولون.
 
انتهينا إذًا، ليلة سعيدة نراك في الصباح.
صحيح يا ماجد، ضع الوردة في الشمس وإسقها يا رجل ستموت بهذا الشكل، إلى اللقاء.
 
***************
 
دعني فقط اضع هذه هنا، نعم بهذا الشكل، اوه أانت هنا يا صديقي، كيف حالك هذا المساء؟ اشتقت إليك، دعني أعرفك، هذه صديقتي الجديدة هنا، نعم إنها وردة أنا أرى ذلك، أظهر بعض الإحترام، أنا آسف يا سيدتي.
 
أتعرفين، مرّ وقت طويل منذ أن حظيت ببعض الرفقة، منذ قررت أنّها لن تستطيع البقاء معي، اختفت، أو بالأحرى خَلقتُ عالمًا لا توجد فيه، أنا أخفيتها، أتعرف كيف يُجبَر البطل في الأفلام على التضحية بأي شيء أمام حبّه الوحيد؟ هذا لاشيء حتّى تُجبَر على التضحية بحبك من أجل حبك، لا أعلم ولا أصدق ما حدث، ومن يصدق، ضحّي بحبك من أجل حبك! في أي عالم يحدث هذا؟ سأقول لك في أي عالم، في عالم غبي كعالمنا بالتأكيد.
 
أنا اعتذر عن هذا، لماذا لا ندخل لمشاهدة فيلم أو شيء من هذا القبيل؟ حسنًا هيا بنا.
 
***************
 
انتظر قليلا، توقف عن طرق الباب أنا آت.
- مرحبًا !
- صباح الخير، كيف حالك؟
- بخير... أيمكنني مساعدتك؟
- حسنا سيبدو هذا غريبًا بعض الشيء، ولكنك لم تذهب إلى العمل من أسبوع، فقلت يجب عليّ الإطمئنان ربما مت على سريرك أو شيء من هذا القبيل.
- لا أنا جيد... لم أمت بعد.
- انا آسفة لم اقصد هذا، أنا آسفة حقًا يا لحماقتي لا أعرف ماذا أقو...
- لا بأس، حقًا.. أتودين مشاركتي كوبًا من القهوة؟
- بـ بالتأكيد.
 
- جميل، ماذا وضعت به؟
- أوراق التوت، إذا ميت على سريري، ربما على الأريكة، نسيت امتلاكي لسرير في الحقيقة، أصبحت أنام بجوار هذه الوردة هنا...!
- ماذا؟
- ماذا؟!
- تنام بجوار الوردة؟ أتخاف الظلام؟
- لا بالتأكيد لا أخاف الظلام!
- لم أقصدك أنت، قصدت الوردة...
- نعم، نعم أعرف... انتظري قليلًا أأنت من تركتها أمام الباب؟
- ... لماذا تقول هذا؟
- استنتاج غريب.
لقد جاءت الوردة مع بطاقة تقول " أحبك " وكان الأمر وكأنّ الوردة من تقولها، أو لا اعرف هكذا اعتقدت الأمر، والآن تقصدين الوردة...
أنا اسف، مصادفة بالتأكيد، لاعلاقة بين الأمرين سوى عقلي المريض.
- نعم استناج غريب، ولكن...
- ماذا؟
- لا شيء، يبدو أنني تأخرت.. علي الذهاب، أراك في الجوار.
 
***************
 
ولكن صحيح ...
لماذا لم أقلها
 
ينام بجوار الوردة! غريب
وكأنّها أحيت العالم في عينيه، أصبح يراني في الصباح ويلقي السلام، صباح الخير، كيف حالك. لم أعد أسمعه يتكلم مع المرآة، أو مع النباتات البلاستيكية، يتكلم مع الوردة نعم ولكن الوردة فقط!
اختفت منفضة السجائر، طاولة الطعام مليئة بالأطباق المتسخة، أكواب شاب في الشرفة، وسادة وغطاء على الأريكة. اختفت مثالية المكان، واختفى ذلك الشعور.
 
***************
 
لقد عدت
ما الذي حدث! يا إلهي ما هذا.. لالالا
لقد غبت لأسبوعين فقط كيف حدث هذا
لا تموتي أرجوكي!
ماء، سأحضر بعض الماء... لقد أقلعت عن التدخين أيتها الحمقاء اللعينة! كدت أطرد من العمل من أجلك، والآن تموتين!
انظري حولك، يوجد الكثير غيرك، لست مميزة في شيء! انظري، هذه وردة حمراء زاهية، وهذه هنا، أي كان هذا اللون اللعين ولكنك لا تري أوراقها تذبل وتتساقط!
لا تري ألوانهم تتغير، لا يحتجن لنصف ما أقوم به من أجلك مجتمعين، والآن تموتين!!
لا يحتجن لضوء الشمس أو الماء، لا يجذبن الحشرات، لا يسرقن الهواء مني في المساء ليبقين على قيد الحياة
يقدمن كل شيء
ألوان جميلة أاشكال خلّابة، يجلبن البهجة إلى المكان
من يحتاجك على أي حال
أنت غبية، وردة حمقاء لعينة.
 
***************
 
"انظر لهذا الأحمق"
"اطلبوا النجدة، هنالك شاب مجنون على وشك الإنتحار"
 
من يحتاجك، سأملأ المنزل بأشباهك!
قررتي الرحيل كالجميع، ككل شيء.. كان علي فعل هذا منذ البداية.
 
***************
 
لم يعد يلحظ وجودي كعادته، عاد ليتكلم مع المرآة والنباتات البلاستيكية،
عاد للخروج في كل صباح في تمام السابعة،
عادت رائحة السجائر والمنفضة،
عادت مثالية منزله،
عاد كل شيء،
إلّا هو.
معلومات عن الكاتب
Student
أحمد هشام أحمد، طالب بكلية العلوم جامعة الإسكندرية، يبدو أن أحلامه لم تكن واضحة حتى اصطدم بواقع أن الحياة لا تهتم بك على الإطلاق، عندها واجهها وأخرج للنور أول صراعاته الأدبية معها، مدركا من ذلك أن نجاته في الكتابة، ولد في المدينة المنورة وعاد ليكمل دراسته بمصر، يحاول التسلح لمواجهة كل شيء بالقراءة، الرياضة وخصوصا كرة القدم، والموسيقى بالطبع، في أول طريق شغفه ويسعى للوصول إلى أعماقه إن شاء له الله.