في الداخل، تُنبِتُ الصحراء أشجارًا

في الداخل، تُنبِتُ الصحراء أشجارًا

 

وقفْتُ في قلب صحراءٍ غارقة في الصمت، و من فوقي سماء واسعة ومُغبِرة بترابٍ خانقٍ يُغلّف الهواء، و النهار شديد القسوة على من يقف عارِيَ الرأس تحت لهب الشمس الساخن.

بقدمين محمرتين من سخونة الرمال، رُحْتُ أدُور حول نفسي، كطير مُخدّر يتعلق بآخر ذرات الهواء، راجيًا أن تلتقط عيني، وسط هذا الإصفرار الخالي من الحياة، أي شيء يقيني لسعات الحرارة المتصاعدة في الجو. و على امتداد النظر، تراءت لي بقعة خضراء، تتمايل مع الهواء الساخن و تُخَشْخِشُ بهدوءٍ ناعم، فاقتربت منها و رُحْتُ أُدَقِّقُ النظر، فإذا هي شجرة، نضرة، وارفة الأوراق، تقف في شموخ، مادة أغصانها الطويلة و المتفرعة في كل اتجاه.

في إخضرار لونها انتعاش الحياة، و تحت تكاثف أوراقها، رُسمت دائرة من الظل الرطب، تعطرالهواء حولها برائحة نباتية خفيفة، تقدمت حتى وطأت قدماي برودة الأرض الرمادية تحت الظلال، و سحبت نفسا عميقا أثلج رئتيّ المشتعلتين، و يُخيّل إليّ في هذه اللحظة، أنّني انتقلت جسدًا و روحًا إلى عالمٍ آخر ساحر و عجيب، كعجَب وجود تلك الشجرة في قلب الصحراء! و حين سَرَت في جسدي قشعريرة تبخُّر قطرات العرق في تلك النسمات الباردة، ابتسمت و تطلّعت إلى تلك الشجرة الغريبة.

من أي نبع تستقي ماءك؟ من مر يوما ههنا قبلي و غرس بذرتك؟ كيف أنّ ظلالك الخفيفة تحمل كل تلك البرودة و الهواء النقي؟

تصاعدت الأفكار إلى عقلي بقوة، حتّى لم ألحظ أنّني نطقت بها جهرًا، فتسارُع اهتزاز الأوراق من فوقي، و أفلتت وُرِيْقة رشيقة من بين شقيقاتها، و راحت تتراقص حولي، فلاحقتها حتّى تعلّقت ثابتة للحظات، ثم سقَطَت سريعا.

نظرت إلي حيث هي، فوجدتُ آثار أقدام صغيرة متراصة في خط مستقيم، فاستدرت و التقط أولى الخطوات من حيث وقفت و سِرْت بمحاذاتها، حتّى لاح لي من بعيد جسد صغير يتحرك و ينثر تراب الصحراء القاحلة من حوله، و عن قُرْب رأيته: طفلًا جميلًا يلهو، ثمّ توقف فجأة و ثبت أنظاره في السماء، و جلس صامتًا منتبهًا كما لو أنّه يشاهد شيء ما، إلّا أنّ السماء بدت خالية تمامًا! ربّما كان يرى ما وراء السماء، شيء ما لا ترتقي له حواسنا الجسدية.

بغتة، انفرجت شفتيه، و خرجت منه ضحكة صافية رقيقة دغدغت قلبي، و آنستني لثوان رحلتي المضنية هذه، و فيما هو يضحك مقهقهًا قدْرَ طاقته، طارت من فمه ورقة شجر، و استقرّت بجانبه، ففرك التراب بأصابعه و غرس الورقة، و للحال انبثقت نبتة صغيرة من بين الرمال و ابتلّت حولها الأرض في دائرة بحجم قبضة يد الطفل العجيب!

من هذا الطفل، و كيف حدث هذا؟ لابد أنّني أَهذي من جرّاء الحرارة التي تلسع رأسي، أو أنّ هذه هلوسات الصحراء التي تُذْهِب عقول التائهين فيها، فيُجنُّوا و لا يخرجون أبدًا منها، و لكنّ الطفل ظلّ أمامي لم يتبخر كما انتظرته أن يفعل!

راقبت حركاته و ملامح وجهه، التي بدت مألوفة جدًّا الآن، و مدت يدي لأُمسِك كتفه، فشعرت أنّ شيئًا ما يطبق على كتفي،  أجفلت و سحبت يدي نترًا، فرفع وجهه و ابتسم لي ابتسامة ثابتة، ثم أرخى كفه المفتوح على صدري، فتهدّجت أنفاسي، و سقطتُ بجانبه.
حين لامست ركبتاي الرمال الخشنة، خفق قلبي بقوة و تحرّكت الأرض تحتي، فاعتدل الصغير واقفًا و انصرف من أمامي مبتعدًا الى أن غاص في الأفق.

مازالت الأرض تضرب كالطبل من تحتي، و قلبي يماثلها في الدق كالمسعور، ارتعبت و حاولت الوقوف، فانشقّت الأرض و تبعثر الرمل في الهواء، و تدافع مع أنفاسي المتلاحقة إلى رئتيّ.
أظلمت السماء، و سكن كل شيءٍ تقريبًا، ما عدا صوت نقرٍ رتيبٍ متكرّر.

فتحت عيني و إذ بي أجلس متهالك على الأريكة، واضعًا قبضتي المتصلبة فوق صدري. خرجت إلى الشُّرْفة بينما المطر ينهمر، و صوت قطراته التي تتفتّت على درابزين السور، يُصدِر نقرًا ذا رتيمة مألوفة. أمّا السماء، فقد تغضنت بسُحُبٍ كثيفة، فرُحْتُ أتأمّلَها في انتباهٍ شديدٍ متسائلًا في سخرية كيف تحوّلت الغيوم إلى قلبي لا السماء ؟ متى نسيت حين كنتُ طفلًا صغيرًا أفرح جدًا بانهمار المطر؟ فضَحِكْت مُقَهقِهَا وإذا بورقة شجر تخرج من فمي و تتطاير في الهواء!
شعرت بشيءٍ من الحياة يدُبُّ في قلبي، و تناهى إلى سمعي حفيفُ أوراقٍ كثيفة يتصاعد من داخلي ..

رُبَّ قلبًا استحال إلى صحراءٍ قاحلة، نبتت فيه الحياة بضحكة الطفل العالق داخله، متى قهقه ساخرًا من الألم!

معلومات عن الكاتب
Pharmacist
Pharmacist ... Freelancer Writer Adore Art, Fiction and all what links to nature !